السبت، 31 مايو 2008

هل جاء وقت الربيع في العلاقات الصينية اليابانية

صحيفة الاقتصادية السعودية
يوان جنج دونج - مدير برنامج عدم الانتشار النووي شرقي آسيا في مركز جيمس مارتن
زار الرئيس الصيني هو جنتاو اليابان أخيرا واستمرت زيارته خمسة أيام، وهذه أول زيارة يقوم بها رئيس دولة صيني لليابان خلال عقد وهي تتم في الوقت الذي تحتفل فيه بكين وطوكيو بالذكرى السنوية الـ 30 لمعاهدة السلام والصداقة بين الصين واليابان.
وتقف العلاقات الصينية ـ اليابانية عند مفترق طرق بينما تعيد القوتان الكبريان في آسيا تقييمهما للعلاقات الاستراتيجية - السياسية والاقتصادية التجارية والثقافية الاجتماعية التي يمكن لها بدورها أن تجعلهما قوى لا مفرّ منها لمصلحة الاستقرار، أو متنافسين رئيسيين للهيمنة في شرق آسيا.
والبلدان لم يكونا في يوم من الأيام في حالة اعتماد متبادل مثلما هو حالهما اليوم، ولا سيما على الصعيد الاقتصادي، فالتجارة الثنائية وصلت 236 مليار دولار 2007، ما يجعل الصين شريك اليابان التجاري الأول ويجعل اليابان شريك الصين الذي يحتل المرتبة الثالثة.
وبعد خمس سنوات من الركود والتراجع الشديد في علاقتهما السياسية الثنائية خلال الأعوام 2001 ـ 2006، عندما تحدى رئيس الوزراء جونيشيرو كويزومي، ونفر بكين بزياراته المستمرة إلى ضريح ياسوكوني المثير للجدل، فإن البلدين، منذ أواخر عام 2006 قاما بإصلاحات تدريجية وأعادا عملية الحوار على مستوى رفيع. وتتم اجتماعات القمة بشكل أكثر انتظاما، كما استؤنفت التبادلات الدفاعية وتبذل جهود أكبر لمخاطبة قضايا مثل نزاع بحر شرق الصين (مع أنها قضايا يتعين حلها).
وتوفر زيارة الرئيس هو فرصة نادرة ليس فقط لإحياء الثقة المطلوبة لعلاقات ثنائية مستقرة بل أيضا من أجل رسم مسار جديد للبلدين وهما يخاطبان التحديات ويسعيان إلى التعاون في السنوات المقبلة، ولكن من أجل تحقيق هذه الأهداف فإن على القادة في البلدين أن يتغلبوا على إرث التاريخ، وإدارة الصراعات القائمة والتقليل منها إلى أدنى حد، وإدراك وتقبل الحقائق الجيوسياسية الجديدة وطموحات كل طرف، وتوسيع علاقاتهم الاقتصادية ووضع الأساس للتفاهم بين الشعبين.
وأقدم رئيسا الوزراء شينزو ابي وياسو فوكودا على خطوات مهمة بتنفيس التوتر المتعلق بالقضية الأكثر إثارة للجدل والأكثر حساسية من ناحية رمزية - وهي ضريح ياسوكوني. وتعهد فوكودا بالذات بعدم زيارة الضريح خلال ولايته، كما انهمك البلدان بحوار ومشاورات أكثر انتظاما حول نزاع بحر شرق الصين، ويسعيان إلى حل مقبول للطرفين. ومع أن الحلول السهلة لا تلوح في الأفق فإن البلدين أظهرا على الأقل اهتماما بإدارة وتقليص الأثر السلبي للنزاع.
والقضايا التاريخية والإقليمية، رغم أهميتها يمكن النظر إليها على أنها الأسباب والأعراض للعلاقة السياسية الثنائية الشاملة، والتي كانت متقلبة وهشة وفي بعض الأحيان كانت منفّرة منذ نهاية الحرب الباردة، فهي قضايا هيكلية وتتعلق بالمفاهيم وتتطلب تقييمات جديدة واستراتيجيات جديدة.
والحقائق الهيكلية هي أن الصين عايشت النمو الاقتصادي الأقوى خلال العقود الثلاثة الماضية منذ أن بدأت البلاد بالإصلاحات الاقتصادية والانفتاح على العالم الخارجي. وبعد أن كانت الصين على شفا الانهيار الاقتصادي في أعقاب الثورة الثقافية فإنها اليوم تمثل المرتبة الرابعة بين القوى الاقتصادية في العالم من حيث إجمالي الناتج المحلي، وتحتل المرتبة الثانية إذا استخدم المرء صيغة تكافؤ القوة الشرائية وهي بذلك تتفوق على اليابان، وهي تملك أكبر احتياطي للعملة الصعبة في العالم، وتحتل المرتبة الثانية بعد ألمانيا كأكبر بعد مصدر.
وفي الوقت الذي ينمو فيه اقتصاد الصين، فإن قوتها العسكرية ونفوذها السياسي ينموان أيضا، فالإنفاق الدفاعي الصيني المتزايد وتحديث الجيش يثيران التساؤلات إن لم يكونا يثيران الرعب في طوكيو، ودبلوماسية بكين النشيطة - لعبتها في القوة اللينة - تكسب الأصدقاء في المنطقة وما وراءها، فالصين في صعود واضح كقوة عالمية.
ومن ناحية أخرى فإن اليابان، ثاني أكبر اقتصاد في العالم منذ سنوات، تتطلع إلى دور سياسي ودبلوماسي أكبر على الساحة الدولية، وكانت اليابان وعلى مدى عقود مانحا رئيسا للمساعدات الاقتصادية في العالم النامي، ومساهما رئيسا للأمم المتحدة وأصبحت في السنوات الأخيرة أكثر نشاطا في مهام حفظ السلام الدولية، وهي أيضا تتطلع إلى أن تصبح عضوا دائما في مجلس الأمن الدولي.
وتسعى طوكيو والجيل الجديد من السياسيين الذين يحكمون اليابان إلى مكانة دولة عادية للبلاد، وهذا الموقف الجازم، مقترنا بجهودها المتجددة في تمتين التحالف الأمريكي ـ الياباني وقوة دفاع ذاتية حتى إنها قامت للمرة الأولى، بإرسال أطقم إلى الخارج. إضافة إلى قلق لدى جيرانها، بما فيهم الصين، فإن اليابان تدعم بشكل قوي، الولايات المتحدة وتنشر أنظمتها الصاروخية الدفاعية وتطور قدراتها العسكرية في الفضاء.
وفي مواجهة مثل هذه الحقائق الجديدة فإن على بكين وطوكيو أن تدركا وتستوعبا طموحات بعضهما حتى حين يتعين عليهما أن تتخليا عن التصورات الخاطئة وتديرا الصراعات المحتملة. وهذا الأمر يجعل الحوار والتواصل مهما جدا لتجنب الهواجس والشكوك غير الضرورية والعداء المباشر. وهما كأهم قوتين في آسيا فإن تقبلهما المتبادل وثقتهما المتبادلة في ظروف استراتيجية مهمان في وقت يعايش البلدان فيه تغيرات مهمة وعمليات تحول.
إن العلاقات الاقتصادية المتنامية أدت إلى فوائد هائلة لكلا البلدين لكنها أدت أيضا إلى نزاعات وهواجس، وعلى بكين وطوكيو أن تسعيا بقوة إلى تقوية تعاونهما للاستقرار المالي والأمن الغذائي والحماية البيئية والتغير المناخي وكفاءة الطاقة ودعم الخصائص الإقليمية لشرق آسيا.
ويملك البلدان الكثير لتحقيقه إذا طورا شراكة طويلة الأجل يكسب فيها الطرفان وأمامها الكثير ليخسراه إذا سمحا لنفسيهما بالوقوع في لعبة غير متعادلة من المنافسة العمياء وتقويض كل منهما لموقف الآخر.
ويجب بناء علاقة ثنائية صحية ومستدامة على أساس راسخ من التفاهم المتبادل بين الشعبين. فقد وصفت أوائل السبعينيات وأواسط الثمانينيات بأنها الفترة الذهبية للعلاقات الصينية - اليابانية عندما سعى البلدان بجد وإخلاص إلى فهم أحدهما الآخر وتشجيع الثقة المتبادلة والأهم من كل ذلك، نقل شعلة الصداقة "إلى الأجيال الجديدة من السياسيين وقادة الرأي وعامة الناس. ويظل هذا الأمر أهم مهمة في هذه الأيام، وفي هذا السياق يمكن للإعلام في البلدين، أن يلعب دورا أكثر ايجابية.
إن مستقبل العلاقات الصينية - اليابانية بين أيدي الأجيال الأصغر سنا، ففي منتصف الثمانينيات جاء إلى الصين ثلاثة آلاف شاب ياباني بدعوة من الأمين العام للحزب الشيوعي هو ياوانج، وفي السنوات الخيرة تم إحياء وتشجيع مثل هذا التبادل لكن من الواضح أن الأمر يحتاج إلى المزيد ويجب القيام به في هذا الخصوص.
وصف الرئيس هو زيارته إلى اليابان بأنها رحلة "ربيع دافئ" يمكن أن تبشر بحقبة جديدة من العلاقة الثنائية، تستند إلى الثقة المتبادلة والمصالح الاستراتيجية طويلة الأجل. وهذا هدف سام يمكن للبلدين، وعليهما، أن يحققاه لمصلحتهما المتبادلة ولمصلحة شرق آسيا وما وراءها. وبعد التجميد الشديد الذي شهدته السنوات الماضية فقد يكون الربيع قد وصل أخيرا في العلاقات الصينية ـ اليابانية.

ليست هناك تعليقات: