السبت، 3 مايو 2008

النبش جار في تاريخ التيبت.. هل هي لنفسها أم هي للصين؟

صحيفة المستقبل اللبنانية
إعداد فادي طفيلي

ليس بعيداً عن "الستاديوم" الوطني في بكين، تلك الحلبة الأولمبية المنجزة حديثاً، والتي تبدو كماموث ضخم في المدينة، كما كتب جيم ياردلي (الهيرالد تريبيون 17/4/2008) من العاصمة الصينيّة، ثمّة مشروع آخر قيد الإنشاء ينوى افتتاحه أيضاً بالتزامن مع حلول الألعاب الأولمبيّة. إنّه المبنى المحتجب اليوم خلف شبكة خضراء لتغطية الورش والذي سيضم، إذ ينجز، المتحف الأوّل المخصّص للتيبت في بكين.
في الداخل حيث تجرى الأعمال، سيعرض الخبراء والقيمون قطع الآثار والوثائق ومدونات الأسر الحاكمة وكل ما من شأنه أن يدعم النظرية التاريخية القائلة بسيادة الصين على التيبت منذ القرن الثالث عشر. وهي النظرية التاريخية التي تخضع منذ مدّة للنقاش والمساءلة من قبل المؤرخين والمختصّين في الصين وخارجها، لكن من غير أن ينعكس ذلك على إيقاع الأعمال و أجواء التحضيرات لافتتاح "متحف التيبت" هذا، المتحف المتبنّي وجهة النظر الصينية والذي انزل تعديلاته حتّى على وجود الدالاي لاما في سيرة التيبت وتواريخه.
"الدلاي لاما هذا لن يظهر بعد العام 1959"، يقول ليان زيانغ مين، الباحث الصيني وأحد القيمين على المتحف، وذلك في إشارة إلى السنة التي لجأ فيها الزعيم الروحي المنفي للتيبت إلى الهند بعد انتفاضة فاشلة ضد الحكم الصيني. "هذا متحف للتيبت ونحن لم نعد نعتبر الدالاي لاما جزءاً من التيبت"، يضيف القيم والباحث الصيني لمحرر الهيرالد تريبيون.
الرواية التاريخية حول علاقة التيبت بالصين يكتنفها الكثير من المزاعم والسجالات والرؤى المختلفة. على أن ذلك لا يمنع الحزب الشيوعي الصيني الحاكم من الحسم القاطع في القضية. فالتاريخ بحسب الحزب المذكور ليس سوى أداة سياسية تستخدم لتثبيت السيطرة التامة على المنطقة. والأمر هذا، على الرغم من نجاحه في رفض وإسكات وجهات النظر المختلفة داخل الصين، لم يتسبب سوى بالمزيد من الغضب في أوساط التيبتيين، إذ أن ما تحاول السلطات الصينيّة قمعه اليوم ما هو الا الانتفاضة الأكبر منذ عقدين ينفّذها الإقليم رداً على ما يتعرض له من قمع ديني وثقافي.
ابتداء من الشهر الماضي، شرع الرهبان البوذيون خارج لهاسا بتصدر تحركات سلمية معترضة على ما يعرف بحملات "التربيّة الوطنيّة" التي تفرض عليهم إدانة الدالاي لاما وإنكاره، كما والالتزام بالرواية التاريخية التي تتحدث عن حقّ الصين بالتحكّم بإقليم التيبت والسيطرة عليه. وقبل أسبوعين جدّد الرهبان في دير دربانغ قرب لهاسا تحركاتهم ضدّ حملات "التربية الوطنية" المذكورة.
في أنحاء الصين يلقن تلامذة المدارس أن التيبت جزء يتعذر فصله عن البلاد، ويتوجب على الأدلاء السياحيين في لهاسا الالتزام بتلك الرواية التاريخيّة الرسمية. إلى ذلك يتعرض الباحثون الذين يقتنعون بوجهة نظر مختلفة إلى التهميش وإلى الرقابة وأحياناً إلى السجن.
مساءلة الرواية التاريخية المتعلّقة بالتيبت، الرواية التي تروجها السلطات الصينية، قد تعرّض الباحث الذي يجريها إلى الإدانة بتهمة السعي إلى الانفصال. الباحث التيبتي دولما كياب كان قد سجن منذ عام 2005 إثر كتابته مصنّفاً في جزءين عن تاريخ بلاده لم يحصل على ترخيص بنشره.
"التاريخ مرتبط بالشرعيّة"، يقول تاشي رابغي، أستاذ الدراسات حول التيبت في جامعة فيرجينيا (هيرالد تريبيون 17/4/2008). مشكلة الصينيين أن وجودهم على مسرح التيبت لم يكن شرعيّاً في يوم من الأيّام، ومحاولاتهم للتحكّم بالرواية التاريخية ليست سوى محاولات"، يضيف تاشي.
مسألة التيبت تصيب عصباً نابضاً عند كثير من الصينيين، بمن فيهم أولئك الذين يعيشون خارج الصين، وذلك لما تثيره من إيحاءات تستعيد التدخّل الأجنبي في الصين خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. في العامين 1903 و1904، وبالتزامن مع الانحلال الذي أصاب سلالة كينغ الحاكمة، اجتاحت الجيوش البريطانية التيبت. هذا ويستعيد صينيّون كثر اليوم دور وكالة الاستخبارات المركزيّة الأميركيّة "سي آي إي" في التيبت عام 1950، وهم يوأولون التعاطف الغربي الراهن مع التحرّكات الداعمة للتيبت على أنّه محاولة خارجية لبث الاضطراب في الصين بغية تقسيمها.
الحزب الشيوعي الصيني من جهته يريد مواجهة ما يعتبره مفاهيم دولية خاطئة حول موقع التيبت. الحزب المذكور يرى أن الرواية التاريخية ستكون وسيلة للمواجهة. وكانت الحكومة الصينيّة على مدى أكثر من عقدين قد أسست ما يزيد على خمسين معهد للأبحاث مخصص للتيبت، مهمّتها تدعيم الرؤية الصينية لتاريخ التيبت.
في عام 2000، قام وزير الإعلام الصيني السابق، زهاو كيزهينغ، بإبلاغ عدد من الباحثين الذين شاركوا في ختام أحد المؤتمرات المنعقدة حول التيبت، أن أبحاثهم يجب أن تستخدم في نشاط دعائي مهمّته دحض الآراء الأجنبيّة. "علينا الإفادة القصوى مما يفعله خمسون مركزاً للأبحاث وألف متخصّص بالدراسات حول التيبت، وذلك لتنظيم حملة دعائيّة خارجيّة تتناول الإقليم"، قال زهاو في كلامه الذي حصلت عليه إحدى الجماعات المناصرة للتيبت، فعملت على ترجمته ونشره. وأضاف وزير الإعلام السابق أن "مهمّة تلك المراكز البحثيّة وهؤلاء العاملين بها يجب أن تتركّز على محاولة التأثير على المتخصصين بأبحاث التيبت العالميين، وأن ذلك يجب أن يتمّ من خلال عمليّة التبادل الثقافي، الذي عليه أن يتوجّه نحو المجتمعات الغربيّة والرأي العام السائد فيها".
ليان، هو باحث يعمل في فريق عمل المتحف الجديد للتيبت في بكين، وهو مدير الأبحاث في أحد أكبر المعاهد الصينية المخصصة للدراسات حول التيبت فيها. بحسب ليان هذا، فأن الباحثين الصينيين الذين طالما كانوا منفصلين عن العالم الخارجي، باتوا اليوم يشاركون في أعمالهم البحثية في مؤتمرات عالمية وهم يروجون لتلك الأبحاث وينشرونها عبر الإنترنت. وهو يعتبر أن النشاط البحثي هو الغاية الأولى للمركز الذي يديره، لا السياسة.
"بالنسبة لنا كباحثين، فإن الحقيقة هي ما يهمنا"، يقول ليان لكاتب الهيرالد تريبيون (17/4/2008) فلكل امرئ وجهة نظره في الأمور، على أن الأهم هو امتلاكه لدليل يثبت وجهة نظره تلك"، يقول الباحث الصيني.
باحثون آخرون لا يبدون تلك الثقة التي يبديها ليان، خاصّة أولئك الذين تعرضت أعمالهم البحثيّة للمنع والرقابة لما تضمّنته من وجهات نظر مختلفة. وويسر، صاحبة الموقع الالكتروني، والتي، مثل كثير من التيبتيين، لا تفصح عن اسمها كاملاً صريحاً، كانت قد فقدت عملها كمحررة في مجلّة أدبية في لهاسا وذلك إثر نشرها كتاب "ملاحظات حول التيبت" عام 2003 والذي تضمن إشارة ودية للدالاي لاما. "قامت أجهزة الرقابة بالكتابة إلى الناشر معلمة إيّاه أن أحد مؤلفيه نشر كتاباً متضمّناً أخطاء سياسية فادحة"، روت مؤلّفة "ملاحظات حول التيبت".
العمل في المادة التاريخية، كما تروي وويسر، يشكّل مصدراً لتهمة سياسية في منطقة التيبت ذات الموقع السياسي الخاص. في عام 2003، أصدر الرئيس الصيني هيو جينتاو، والذي كان قائداً محلّياً للحزب الشيوعي في التيبت، قراراً يقضي بإطلاق "خطّة دعم الرحلات السياحية في التيبت". وقد تضمّنت الخطّة تطويع مئة دليل سياحي من خارج التيبت للعمل في لهاسا في كل عام ولغاية سنة 2013. الحوافز للعمل في الخطّة تضمّنت الدعم المادّي، كما تمّ اختيار معظم هؤلاء الأدلاء من أعضاء الحزب الشيوعي.
وتشير وويسر، التي حجب موقعها الالكتروني داخل الصين، أن الأدلاء السياحيين هؤلاء كانوا يتلقّون تعليمات هي جزء من خطّة رقابيّة واسعة وضعتها الحكومة. "كل شيء عن واقع التيبت لا يسمح بنشره. كل ما يخالف رؤية الحكومة يتمّ حذفه"، تقول الناشطة وويسر.
في صلب ذلك السجال التاريخي يتموضع المفهوم الغربي للسيادة. الحزب الشيوعي من جهته روج ويروج للصين كأمة متنوعة، لكن موحدة، تضمّ 56 جماعة إثنية. تشكّل إثنية الـ "هان" أكثريّة تناهز 92 في المئة من عدد السكان، وتضمّ نسبة الثماني في المئة الباقيّة من عدد السكان، فيما تضم، إثنيات مثل المغول ومسلمي الـ "هوي" ومسلمي الـ "يويغور" والـ "مانتشو" والتيبتيين. وينظر إلى تلك الإثنيات كجماعات تمّ استيعابها في الجسد الصيني على مدى قرون من الأزمنة المتواصلة.
يرى العديد من الباحثين أن نظرية الاستيعاب تلك يجري تبسيطها بشكل كبير وذلك بغية تدعيم المزاعم الجيو ـ سياسية الراهنة.
يتّفق المؤرخون في العموم على أن العلاقة بين الصين والتيبت بلغت مرحلة متداخلة خلال حكم أسرة يووان، من العام 1270 إلى 1368. على أن سجال المؤرخين هؤلاء يبقى حول طبيعة تلك العلاقة.
حكومة التيبت في المنفى ترى أن القادة الروحيين البوذيين (الـ "لاما") كانوا قد أسسوا علاقة، "برعاية كهنوتيّة"، يصير معها الـ "لاما" بمثابة مستشار روحي لحكّام أسرة يووان، من غير أن يتم التضحية باستقلاليّة التيبت وبحكمه الذاتي. الصيغة السياسيّة المذكورة تكررت خلال حكم الأسرة الإمبراطورية الأخيرة، أسرة كينغ، التي حكمت بين العامين 1644 و1912.
الباحثون الصينيون من جهتهم يرون المكر في المنطق السياسي هذا. وهم يشيرون إلى المدونات التاريخية التي تفصّل خضوع التيبت لقوانين وضوابط محددة كان حكام أسرتي يووان وكينغ قد وضعوها ـ منها مخطوطات لقرارات لا تظهر فقط عدم انفصال التيبت عن الصين، بل أيضاً سلطة الأباطرة الصينيين في اختيار الدالاي لاما وتعيينه.
إليوت سبيرلينغ، المتخصّص بأبحاث التيبت في الولايات المتّحدة والأستاذ في جامعة إنديانا، يرى أن وجهتي النظر المذكورتين هما بمثابة تأويلين. من غير الجائز، بحسب سبيرلينغ، أن يكون التيبت قد تمتع باستقلال حقيقي خلال حقبتي حكم أسرتي يووان وكينغ، إذ تظهر المدونات والوثائق التحاق الإقليم بالحكام الصينيين وبسياساتهم.
لكن سبيرلينغ يرى أن زعم الصين بتواصل سيطرتها التامة على التيبت منذ حكم أسرة يووان هو زعم مثير للشكّ. فخلال حكم أسرة مينغ، بين العامين 1368 و1644، كان التيبت قد شهد علاقة واهية بالحكّام الصينيين، على ما يقول الباحث في جامعة إنديانا. كما يشير الباحث المذكور أن اعتبار أسرتي يووان وكينغ أسرتين "صينيّتين" يتعدى المسلّمة التاريخيّة التي ترى أن صعود الأسرتين المذكورتين إلى الحكم تم إثر ما يعدّ اجتياحاً أجنبياً للصين. حيث اجتاح المغول وكرسوا أسرة يووان، واجتاح الـ "مانتشو" وكرّسوا أسرة "كينغ".
"ما لا تريد الصين الاعتراف به هو فكرة تأسيس المغول لإمبراطوريّة"، يقول سبيرلينغ. "إذ لم يكن ذلك دولة صينيّة، بل إمبراطورية مغولية".
في السياق هذا، يرى بعض الباحثين أن علاقة التيبت السابقة بالصين كانت علاقة دولة تابعة بدولة كبرى، أكثر من كونها علاقة جزء لا يمكن فصله أبداً عن الكل. وكانت الحكومة الصينية قد تخلّت عن سيطرتها على التيبت بعد سقوط أسرة كينغ الحاكمة عام 1912. فقام الدالاي لاما الحالي وسلفه بحكم التيبت حتى عام 1951، إلى أن قام ماو تسي دونغ باجتياح المنطقة بعمليّة توصف بـ "التحرير السلمي"، على ما يلقّن طلاب المدارس الصينيين اليوم، "هدفت إلى تحرير التيبت من الإقطاع الديني".
رواية كلا الطرفين التاريخية استأنفتا السجال ابتداء من مطلع ثمانينات القرن الماضي، حين شرع كل طرف باستحضار الشواهد التاريخيّة وبإطلاق الأبحاث التي تدعّم مشروعه السياسي.

ليست هناك تعليقات: