الجمعة، 27 يونيو 2008

الصين وطن واحد وأنظمة متعددة

صحيفة 26 سبتمبر اليمنية
فاروق لقمان
خلال الثمانينات من القرن الماضي قمت بأكثر من زيارة لتايوان الجزيرة الصغيرة في المحيط الهادي التي كانت ولا تزال تتصدر قائمة النمور الآسيوية التي أذهلت العالم بنهضتها الاقتصادية, وتلتها كوريا الجنوبية وسنغافورة ثم لحقتها ماليزيا وتايلاند وكادت أن تفعل مثلها إندونيسيا لولا فساد الحكم الطاغي خلال فترة استبداد سوهارتو وشلته.
ولما كان الفارق شاسعاً بين اقتصاد تايوان، أقل من أربعين ألف كيلومتر أو ثمانية في المائة من مساحة الجمهورية اليمنية، والصين الشعبية – ألف وثلاثمائة مليون نسمة، وسابقاً المتخلفة اقتصادياً، ظل الحديث عن أي تقارب بين الطرفين عبر مضيق تايوان مجرداً من الواقعية، وبعيداً جداً عن الاحتمال إذ بينما ارتفع متوسط دخل الفرد في تايوان إلى ألوف الدولارات سنوياً ظل دخل ابن جنسه في الصين في حدود المئات.
ولما أعددت كتابي الأول ثم الثاني بعده بعامين، كانت تايوان حقاً النمر الأول في آسيا ونموذجاً يُضرب به المثل لأنها كانت قد تحولت إلى دولة صناعية وقاعدة إلكترونية كبرى رغم أن سكانها لم يتجاوزوا حتى اليوم سكان اليمن أو ثلاثة وعشرين مليوناً.
وقطعتها شمالاً من تايبه العاصمة إلى أقصى الجنوب بالطائرة خلال نصف ساعة طيران قد تزيد أو تنقص قليلاً حسب الأحوال الجوية. وشاهدتها من الجو ثم بالسيارة متجولاً وهي عبارة عن مصانع ومشاريع سكنية محاطة بالخضرة والمياه وشعبها يركب ملايين الدراجات النارية الصغيرة ولا يكاد يتوقف عن الحركة إلى مراكز الأعمال والصناعة والزراعة ولا حتى يفكرون في مجرد التقارب مع الجارة العظمى. فهي محمية بالأسطول الأمريكي السادس ولديها قوات جوية وصاروخية رادعة والجميع قد تدربوا على القتال كواجب وطني أو أنهم في المعاهد والكليات الفاخرة التي زرتها وتحدثت مع شبابها من الجنسين.
وأصبحت تايوان التي كانت مجرد مستعمرة لليابان مع أجزاء كبرى من الصين حتى عام 1945، وملجأ بعد ذلك للحزب الوطني بقيادة شيانج كاي شيك بعد انتصار الحزب الشيوعي بقيادة ماوتسي تونج، دولة متقدمة بسرعة وفي طريقها لتصبح يابان أخرى رغم تهديد الصين لها بالغزو بين الحين والآخر، ولولا القوة الأمريكية لابتلعتها بسهولة ولكن بعد هدمها فوق رؤوس شعبها الأنشط بين شعوب آسيا في نهايات القرن الماضي.
ولما سحبت الأمم المتحدة اعترافها بتايوان كممثلة للصين وخسرت مقعدها في مجلس الأمن حيث كانت عضواً مع روسيا وأمريكا وفرنسا وبريطانيا منذ البداية، بدأ أهلها يقلقون على مصيرهم بدون المظلة الأمريكية الدائمة وبدأت أسمع السؤال «إلى أين الآن» يتردد في أروقة النوادي وعلى رأسها نادي الصحافة في العاصمة.
ولم تكن الحالة الاقتصادية في الصين في القرن الماضي ومنع الحريات بأشكالها من حق التعبير إلى تشكيل الأحزاب وإجراء الانتخابات وفتح الأبواب أمام الاستثمارات، تساعد حتى على مجرد التفكير في التفاهم على التقارب بين البلدين. ثم انفتحت تايوان وعجلت بزوال الطاقم القديم الذي تولى حكم الجزيرة مع شيانج كاي شيك، وأجرت انتخابات حرة ونزيهة إلى حد ما وأمر البرلمان بالسماح للصحف الأهلية بالتعبير عما يريد قراءها بدون خوف من القانون القديم الذي تم إلغاؤه.
ثم حدثت ثورة جديدة في الصين الأم بعد تلك التي قادها الزعيم ماو حرر بها الوطن من الاستعمار الياباني الغاشم لكنه قيدها بالشيوعية الأغشم إلى أن توفي بعد عدة نكبات لا تزال تعاني من عواقبها: التأميمات الشاملة حتى لسيارات الأجرة، المساكن، المؤسسات الصحية والتعليمية، ثم الوثبة الكبرى التي أخرت الصين عدة عقود لا يزال المؤرخون يحاولون تحليلها وكلفت الملايين من البشر قضوا جوعاً ومرضاً وجهلاً.
وجاء بعده دينج زيابنج ليغير كل شيء أو على الأقل ليبدأ مسيرة انقلابية لإعادة الروح إلى المارد الذي كان مخدراً ومقيداً وكأنه في غيبوبة شبه تامة. وبدأت الانطلاقة من الجنوب وعاصمته شنغهاي التي كانت يوماً ما أشهر مدينة في آسيا قبل طوكيو وسيول وسنغافورة وتايبه.
ولم يصدق العالم ما يراه اليوم والصين تصدر ما قيمته مائتي مليار دولار شهرياً وتوفر نقداً حوالي عشرين إلى ثلاثين مليار منها حتى تجاوز احتياطيها ألف مليار دولار. وتحولت إلى دولة صناعية ذات اكتفاء ذاتي تقريباً. وتهافتت الشركات الكبرى الغربية على التأسيس فيها والاستفادة من العمالة وتدريبها والتصدير منها حتى إلى أوروبا ذاتها، أقمشة وسيارات وإلكترونيات وقريباً طائرات مدنية.
وأدى ذلك كله إلى اتصالات كانت خفية في البداية عبر مضيق تايوان التي كان البلدان يتبادلان منه قذائف المدفعية. ورأيت المدافع المضادة للطائرات على أسطح البيوت في العاصمة والمدن الأخرى القريبة من المضيق ولو أن الصين كانت أعقل من أن تبادر إلى إشعال حرب ضد أهلها في تايوان وتغامر بالاشتباك مع القوات الأمريكية في الجزيرة والمحيط الهادي.
تحسنت الأوضاع الاقتصادية في الصين بصورة مدهشة انعكست إلى حد ما على أحوال المواطنين الذين كانوا يتوقون إلى اللحاق بأبناء عمومتهم في تايوان لولا قوانين الحظر على الهجرة التي كانت تطبقها الأنظمة الماركسية دائماً حتى ولو تضور الناس جوعاً في بلادهم.
وبتغيير الحكم في تايبه وبيجين تبدلت المفاهيم، ولعل تحسن مستوى المعيشة في الوطن الأم كان له أثر هام في ذلك وانفتاحه على الدنيا شجع على احتمالات التفاهم على أسس جديدة قد تؤدي يوماً ما إلى أكثر من ذلك. ولا أريد حالياً أن أستبق الأحداث والإمكانات والآمال التي تراود أفراد الشعب الواحد في البلدين.
ولعل زيارة أحد أبرز قادة الحكومة في تايوان للصين الأم وإجراء محادثات تجارية وسياحية تبدأ بثلاثة آلاف سائح يومياً إلى تايوان، مؤشراً على جدية التقارب وعلى شعور الصين الأم بالثقة العامرة بالنفس، وقد بلغ إجمالي الناتج المحلي سبعة تريليونات – يعني سبعة آلاف مليار دولار، ودخل الفرد خمسة آلاف دولار مقابل ثمانمائة في الجمهورية اليمنية مع الأخذ بالاعتبار عدة عوامل أخرى.
وكما حدث للتقارب بين الصين والمستعمرة البريطانية السابقة هونج كونج، والمستعمرة البرتغالية ماكاو، أكبر دليل على إمكانية التقارب مع تايوان في العقود القليلة القادمة تحت شعار وطن واحد بعدة أنظمة حكم.
ألم تقترح بعض دول مجلس التعاون الخليجي رفع مستوى الجمهورية اليمنية الاقتصادي كثيراً قبل دراسة رغبتها في الانضمام إليه؟

ليست هناك تعليقات: