صحيفة فايننشال تايمز البريطانية
فيليب ستيفنز
أمواج الصدمة لم تصل إلى بكين بعد. فهناك جيش جرار من أفضل وأذكى الأشخاص في مؤسسة السياسة الخارجية في الصين متشككون ومنهمكون في التفكير في تداعيات تصويت إيرلندا على معاهدة لشبونة. لكن إذا أردنا أن نقول الحقيقة، فأنا لا أستشعر أي خلجة في السطح الهادئ للعاصمة الصينية. لماذا، قبل كل ذلك، يتعين على مليار صيني أن ينتابهم القلق من رفض أقل من مليون ناخب إيرلندي وثيقة معظم الأوروبيون لا يفهمونها؟
بالنظر إلى أوروبا من آسيا نقرأ مشاعرهم وأفكارهم على نحو يدعو للغيظ. فقادة الاتحاد الأوروبي قضوا السنوات الخمس الماضية وأكثر، وهم يجادلون حول شكل المؤسسات في بروكسل. وأول من قال لا هم الفرنسيون والهولنديون. والآن انضم إليهم الإيرلنديون. وخلال الفترة نفسها، قامت الولايات المتحدة بإهدار دورها القيادي العالمي وأدت النهضة الاقتصادية القوية للقوى الناشئة في آسيا إلى إعادة تشكيل خطوط المشهد الجيوسياسي. هل يهتم أي شخص في واقع الأمر بكيف تنظم أوروبا نفسها؟
لا تسيء الفهم. فمعاهدة لشبونة – والمعاهدة الدستورية قبلها – ليست الوثيقة التي تمثل كابوساً للمتشككين في المشروع الأوروبي. فحجة المحافظين البريطانيين – والعديد ممن يقفون في صف "لا" في حملة الاستفتاء الإيرلندي – أنها تمثل اعتداء سافراً على سيادة الدول إنما هي تضليل مولود في عصر آخر.
إن جوهر المشروع الأوروبي يظل هو فهم أن دول القارة يمكن أن تطور مصالحها على نحو أفضل من خلال التعاون وليس المنافسة. وليس هناك مكان آخر غير بكين تظهر فيه صورة ذلك أكثر وضوحاً. فقط عندما يتحدث الأوروبيون بشيء مثل صوت واحد يكون الآخرون مستعدون للانتباه.
الاتحاد ذهب إلى أبعد من أحلام المؤيدين للفيدرالية من الآباء المؤسسين. واللحظة المهمة كانت معاهدة ماسترخت في بداية التسعينيات. وأحد الأشياء التي أدهشتني فيما يتعلق بالحوار الذي ظل دائراً منذ ذلك الوقت هو كيف أن كل من المدافعين والمعارضين يقعون في الخطأ الأساسي نفسه. فلو كانت هناك أي إمكانية لأن يحل الاتحاد الأوروبي محل الهويات الوطنية ويستبدل بها هوية أوروبية، فقد تبددت تلك الإمكانية مع سقوط جدار برلين. فاتحاد مكون من 27 دولة لا يمكن أن يكون متجانساً.
والغريب أيضاً أن يطالب المحافظون في حزب ديفيد حكومة جوردون براون في لندن بأن تحذو حذو الناخبين الإيرلنديين وأن تعلق إجازة المعاهدة من قبل البريطانيين. وربما أغفلت شيئاً، لكن الأمر يبقى أقل من منطقي بالنسبة لحاملي راية السيادة الوطنية أن يصروا على أن السياسيين في وستمنستر يجب أن يحذو حذو الناخبين في دولة أخرى.
المؤسسات لها أهميتها في أوروبا، ومعاهدة لشبونة تتضمن بعض التغييرات المفيدة. فتعيين رئيس دائم للمجلس الأوروبي يعطي رنينا أكبر لصوت أوروبا في المسرح الدولي. ومن المناسب والمعقول أن يتم دمج دور المتحدث باسم السياسة الخارجية في المجلس مع دور العاملين في المفوضية الأوروبية. وفي أماكن أخرى، إذا كانت الحكومات الوطنية تريد الاحتفاظ بالسيطرة على سياسات الهجرة، فهي تحتاج إلى إطار أوروبي.
لكن هذه المكتسبات غير متناسقة في جملتها مع الطاقة السياسية التي تم استثمارها في المشروع الدستوري. فالاتحاد لا يستطيع أن يواصل التنازع حول ترتيباته المؤسسية فيما العالم يتحرك من دونها. والمعاهدة – التي ستتم إجازتها قريباً من قبل الدول الـ26 – يجب أن توضع جانباً بينما يفكر السياسيون في إيرلندا في الخطوة التالية. إن أسوأ خيار سيكون السماح لفترة أخرى من المشاحنات الداخلية أن تكون ذريعة لإحجام أوروبي عندما يدعو الأمر لذلك.
الانتخابات التي ستجرى في وقت لاحق من هذا العام لاختيار رئيس جديد للولايات المتحدة ستدعم حواراً مهماً حول شكل النظام الدولي. وهذه مسألة ينبغي أن يكون لأوروبا رأي تقوله بشأنها. لقد أوضح بيتر مانديلسون، مفوض الشؤون التجارية في الاتحاد الأوروبي، هذه النقطة على نحو جيد في كلمة ممتعة ألقاها الأسبوع الماضي في نيويورك. نحن ندرك أن هذا العالم الجديد سيصبح متعدد الأقطاب. والرخاء والأمن الذي تنعم به أوروبا يعتمد أيضاً على أن تظل مفتوحة ومتعددة. ولا يتعين عليك أن تمعن النظر في أوروبا أو الولايات المتحدة حتى ترى مخاطر العودة إلى النزعة الوطنية الاقتصادية.
هناك قدر كبير من العمل يمكن لقادة أوروبا القيام به. فالوعد الشجاع بالشراكة الاستراتيجية مع روسيا انعكس في شكل انقسامات داخل الاتحاد حول شروط تلك العلاقة مع موسكو. وثمة أشياء قليلة توضح بدرجة أكبر ضرورة أن تعمل أوروبا بوصفها كيانا واحدا، بدلاً من استراتيجية فرق تسد التي يتبعها الكرملين حول أمن الطاقة.
وتمتد القائمة. فعودة فرنسا الوشيكة إلى القيادة العسكرية لحلف الناتو ينبغي أن تكون فرصة لأوروبا لدعم قدراتها الدفاعية. والكلام المعسول حول تغير المناخ يجب ألا يضيع لصالح الاضطراب الاقتصادي. وهناك الكثير الذي يحول الأنظار عن الاتهامات حول التصويت الإيرلندي. أما بالنسبة للصين، كما يقول شارلس جرانت، رئيس مركز الإصلاح الأوروبي، الذي يوجد مقره في لندن، على نحو مقنع في مقال تم نشره للتو، فإن مصلحة أوروبا تكمن فوق كل شيء في إقناعها بأن تصبح مساهماً مسؤولاً في نظام متعدد الأطراف. وإذا توقفت بروكسل عن الحديث عن معاهدة لشبونة، فربما ينتبهون بالفعل في بكين.
فيليب ستيفنز
أمواج الصدمة لم تصل إلى بكين بعد. فهناك جيش جرار من أفضل وأذكى الأشخاص في مؤسسة السياسة الخارجية في الصين متشككون ومنهمكون في التفكير في تداعيات تصويت إيرلندا على معاهدة لشبونة. لكن إذا أردنا أن نقول الحقيقة، فأنا لا أستشعر أي خلجة في السطح الهادئ للعاصمة الصينية. لماذا، قبل كل ذلك، يتعين على مليار صيني أن ينتابهم القلق من رفض أقل من مليون ناخب إيرلندي وثيقة معظم الأوروبيون لا يفهمونها؟
بالنظر إلى أوروبا من آسيا نقرأ مشاعرهم وأفكارهم على نحو يدعو للغيظ. فقادة الاتحاد الأوروبي قضوا السنوات الخمس الماضية وأكثر، وهم يجادلون حول شكل المؤسسات في بروكسل. وأول من قال لا هم الفرنسيون والهولنديون. والآن انضم إليهم الإيرلنديون. وخلال الفترة نفسها، قامت الولايات المتحدة بإهدار دورها القيادي العالمي وأدت النهضة الاقتصادية القوية للقوى الناشئة في آسيا إلى إعادة تشكيل خطوط المشهد الجيوسياسي. هل يهتم أي شخص في واقع الأمر بكيف تنظم أوروبا نفسها؟
لا تسيء الفهم. فمعاهدة لشبونة – والمعاهدة الدستورية قبلها – ليست الوثيقة التي تمثل كابوساً للمتشككين في المشروع الأوروبي. فحجة المحافظين البريطانيين – والعديد ممن يقفون في صف "لا" في حملة الاستفتاء الإيرلندي – أنها تمثل اعتداء سافراً على سيادة الدول إنما هي تضليل مولود في عصر آخر.
إن جوهر المشروع الأوروبي يظل هو فهم أن دول القارة يمكن أن تطور مصالحها على نحو أفضل من خلال التعاون وليس المنافسة. وليس هناك مكان آخر غير بكين تظهر فيه صورة ذلك أكثر وضوحاً. فقط عندما يتحدث الأوروبيون بشيء مثل صوت واحد يكون الآخرون مستعدون للانتباه.
الاتحاد ذهب إلى أبعد من أحلام المؤيدين للفيدرالية من الآباء المؤسسين. واللحظة المهمة كانت معاهدة ماسترخت في بداية التسعينيات. وأحد الأشياء التي أدهشتني فيما يتعلق بالحوار الذي ظل دائراً منذ ذلك الوقت هو كيف أن كل من المدافعين والمعارضين يقعون في الخطأ الأساسي نفسه. فلو كانت هناك أي إمكانية لأن يحل الاتحاد الأوروبي محل الهويات الوطنية ويستبدل بها هوية أوروبية، فقد تبددت تلك الإمكانية مع سقوط جدار برلين. فاتحاد مكون من 27 دولة لا يمكن أن يكون متجانساً.
والغريب أيضاً أن يطالب المحافظون في حزب ديفيد حكومة جوردون براون في لندن بأن تحذو حذو الناخبين الإيرلنديين وأن تعلق إجازة المعاهدة من قبل البريطانيين. وربما أغفلت شيئاً، لكن الأمر يبقى أقل من منطقي بالنسبة لحاملي راية السيادة الوطنية أن يصروا على أن السياسيين في وستمنستر يجب أن يحذو حذو الناخبين في دولة أخرى.
المؤسسات لها أهميتها في أوروبا، ومعاهدة لشبونة تتضمن بعض التغييرات المفيدة. فتعيين رئيس دائم للمجلس الأوروبي يعطي رنينا أكبر لصوت أوروبا في المسرح الدولي. ومن المناسب والمعقول أن يتم دمج دور المتحدث باسم السياسة الخارجية في المجلس مع دور العاملين في المفوضية الأوروبية. وفي أماكن أخرى، إذا كانت الحكومات الوطنية تريد الاحتفاظ بالسيطرة على سياسات الهجرة، فهي تحتاج إلى إطار أوروبي.
لكن هذه المكتسبات غير متناسقة في جملتها مع الطاقة السياسية التي تم استثمارها في المشروع الدستوري. فالاتحاد لا يستطيع أن يواصل التنازع حول ترتيباته المؤسسية فيما العالم يتحرك من دونها. والمعاهدة – التي ستتم إجازتها قريباً من قبل الدول الـ26 – يجب أن توضع جانباً بينما يفكر السياسيون في إيرلندا في الخطوة التالية. إن أسوأ خيار سيكون السماح لفترة أخرى من المشاحنات الداخلية أن تكون ذريعة لإحجام أوروبي عندما يدعو الأمر لذلك.
الانتخابات التي ستجرى في وقت لاحق من هذا العام لاختيار رئيس جديد للولايات المتحدة ستدعم حواراً مهماً حول شكل النظام الدولي. وهذه مسألة ينبغي أن يكون لأوروبا رأي تقوله بشأنها. لقد أوضح بيتر مانديلسون، مفوض الشؤون التجارية في الاتحاد الأوروبي، هذه النقطة على نحو جيد في كلمة ممتعة ألقاها الأسبوع الماضي في نيويورك. نحن ندرك أن هذا العالم الجديد سيصبح متعدد الأقطاب. والرخاء والأمن الذي تنعم به أوروبا يعتمد أيضاً على أن تظل مفتوحة ومتعددة. ولا يتعين عليك أن تمعن النظر في أوروبا أو الولايات المتحدة حتى ترى مخاطر العودة إلى النزعة الوطنية الاقتصادية.
هناك قدر كبير من العمل يمكن لقادة أوروبا القيام به. فالوعد الشجاع بالشراكة الاستراتيجية مع روسيا انعكس في شكل انقسامات داخل الاتحاد حول شروط تلك العلاقة مع موسكو. وثمة أشياء قليلة توضح بدرجة أكبر ضرورة أن تعمل أوروبا بوصفها كيانا واحدا، بدلاً من استراتيجية فرق تسد التي يتبعها الكرملين حول أمن الطاقة.
وتمتد القائمة. فعودة فرنسا الوشيكة إلى القيادة العسكرية لحلف الناتو ينبغي أن تكون فرصة لأوروبا لدعم قدراتها الدفاعية. والكلام المعسول حول تغير المناخ يجب ألا يضيع لصالح الاضطراب الاقتصادي. وهناك الكثير الذي يحول الأنظار عن الاتهامات حول التصويت الإيرلندي. أما بالنسبة للصين، كما يقول شارلس جرانت، رئيس مركز الإصلاح الأوروبي، الذي يوجد مقره في لندن، على نحو مقنع في مقال تم نشره للتو، فإن مصلحة أوروبا تكمن فوق كل شيء في إقناعها بأن تصبح مساهماً مسؤولاً في نظام متعدد الأطراف. وإذا توقفت بروكسل عن الحديث عن معاهدة لشبونة، فربما ينتبهون بالفعل في بكين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق