الأربعاء، 25 يونيو 2008

يجب على أوروبا أن تقيم تحالفاً استراتيجياً مع الصين

صحيفة فايننشال تايمز البريطانية
شارلس جرانت

في الوقت الذي أخذ فيه النظام العالمي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة يصبح متعدد الأقطاب، بات انتقال القوة من الغرب إلى الشرق أمرا واضحا. لكن طبيعة النظام الناشئ أبعد ما تكون عن الوضوح. هل سيكون تنافسياً، يستند إلى تأكيد القوة الوطنية، أو تعاونياً تؤطره القواعد الدولية؟
روبرت كيجان، في كتابه الجديد "نهاية الأحلام وعودة التاريخ" The End of Dreams and Return of History، يتنبأ بالوضع الأول. وهو يتوقع أن تقرر القيم السياسية للقوى المختلفة شكل تحالفاتها. وبهذا يمكن لروسيا والصين أن تشكلا محورا لحكومات مستبدة، يوحدها كرههما للتحرر السياسي. ويمكن أن تواجه محور دول ديمقراطية يتكون من الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وربما الهند.
وكثير من الأوروبيين ينفرون من ذلك النوع من سياسة توازن القوى. فهم يعتقدون أن التحديات الكبيرة – التغير المناخي وأمن الطاقة والهجرة والإرهاب - تتطلب تعاونا بين جميع القوى البارزة وليس فقط الدول الديمقراطية والمؤسسات القوية متعددة الأطراف.
والاتحاد الأوروبي وحده من بين القوى الكبيرة يمكن الاعتماد عليه ليكون رائداً ونصيراً لنظام متعدد الأطراف. فهذا المفهوم متجذر في موروثه الجيني، لأن الاتحاد نفسه هيكل متعدد الأطراف. وتستطيع الصين والهند وروسيا والولايات المتحدة أن تتصرف أحادياً، أو ثنائياً، أو بشكل متعدد الأطراف، وفق تصورها للأداة التي تعزز مصالحها أفضل من غيرها.
ويبدو احتمال إقامة نظام متعدد الأطراف جيداً تماماً. فبينما تصبح الولايات المتحدة أضعف نسبياً، وأكثر قلقا إزاء سلوك القوى الأخرى، فإن من المرجح أن تحبذ وجود مؤسسات قوية لاحتواء تلك القوى. وكثير من الأوروبيين والأمريكيين يفضلون التعاطي مع روسيا والصين بدلاً من مواجهتهما. وإقامة تحالف وثيق بين هذين البلدين أمر غير محتمل، فالنخب السياسية فيهما لا تثق أحداهما بالأخرى. وموسكو تعرف أن قوة الصين الاقتصادية ستجعلها الشريك المهيمن في أي شراكة مع بكين. وقادة الصين يهتمون بما تفكر فيه واشنطن أكثر من موسكو. وفي الحقيقة، فإن أهم علاقة جيوسياسية في القرن الحادي والعشرين ربما تكون العلاقة بين الصين والولايات المتحدة، بسبب اعتمادهما الاقتصادي المتبادل وتنافسهما الاستراتيجي المحتمل.
لكن العلاقة بين الصين والاتحاد الأوروبي تساعد أيضاً على تشكيل النظام الدولي. فالاتحاد الأوروبي هو أكبر شريك تجاري للصين ووصلت تجارتهما المتبادلة في العام الماضي إلى 300 مليار يورو (470 مليار دولار). والأوروبيون يشكون من أن بكين لا تتصرف بأمانة، فهي تفشل في تطبيق حقوق الملكية الفكرية، وهي تقدر عملتها دون قيمتها الحقيقية وتقيد الاستثمارات الأجنبية. والاتحاد الأوروبي يهدد الصين بأسلحة تجارية يمكن أن تؤدي، إذا طبقت، إلى إفساد العلاقة. وفي الوقت ذاته، الاتحاد الأوروبي يصطدم مع الصين في كل أرجاء العالم عند التعامل مع قضايا مثل دارفور، أو البرنامج النووي الإيراني، أو الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. ولا يمكن حل هذه الأنواع من المشاكل دون المساعدة الصينية.
وداخل الحكومة الصينية هناك جدل شديد بين دعاة التوجه الأممي من المتحررين المتعاطفين مع تعدد الأطراف، والقوميين المتشددين غير المتعاطفين مع هذا التوجه. وتظل المجموعة الأخيرة متنفذه. ومن هنا جاء دعم الصين لمبدأ عدم التدخل، ودعمها لأنظمة ينأى الغرب بنفسه عنها، مثل بورما وإيران والسودان وفنزويلا وأوزبكستان وزيمبابوي. ومقابل هذا الدعم فازت الصين بعقود لاستغلال النفط والثروات المعدنية في هذه البلدان. ومن هنا جاءت ميزانية الدفاع الصينية التي نمت بشكل أسرع من نمو اقتصادها، الأمر الذي أثار القلق بين جيرانها، مثل تايوان واليابان والهند.
لكن يبدو أن التوجه بعيد المدى لسياسة الصين الخارجية هو أن تصبح "مساهماً عالمياً مسؤولاً"، كما حث روبرت زوليك رئيس البنك الدولي. فقد انضمت الصين إلى منظمة التجارة العالمية في 2002، وقادت الدبلوماسية الدولية لإقناع كوريا الشمالية بالتخلي عن برنامجها للأسلحة الذرية، وصوتت (وإن يكن على مضض) لصالح ثلاث جولات من عقوبات الأمم المتحدة ضد إيران.
والأوروبيون، بوصفهم دعاة دائمين لتعدد الأطراف، هم في أفضل وضع لإقناع الصين بالعمل من خلال المؤسسات الدولية. ويجب على الاتحاد الأوروبي والصين أن يقيما شراكة استراتيجية تركز على القضايا التي تسبب التوترات، والتي إذا عولجت بحوار جدي يمكن أن تقوي الإدارة العالمية. ويجب أن تكون الأولويات هي التغير المناخي، وعدم الانتشار النووي، وإفريقيا، والإبقاء على نظام تجاري عالمي مفتوح. وإذا استطاعت أوروبا أن تستخدم مثل هذه الشراكة في جذب الصين نحو تعدد الأطراف، فإن النظام الدولي بأسره سيبتعد عن سياسة توازن القوى.

الكاتب مدير مركز الإصلاح الأوروبي وله كتاب، بالاشتراك مع كاتينكا باريتش، بعنوان Can Europe and China Shape a New World Order?.

ليست هناك تعليقات: