صحيفة الاقتصادية السعودية
وانج جيانوي
بكين وواشنطن تملكان السبب للشعور بالارتياح من الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تايوان، فمع أداء مرشح الحزب الوطني السياسي التايواني، ما ينج جيو لليمين الدستوري يوم 20 أيار (مايو) ومع هزيمة استفتاء الأمم المتحدة، زالت سحب الحرب حول مضيق تايوان.
الرأي الأمريكي السائد في واشنطن يقول إن على كلا الجانبين، ولا سيما بكين، أن يغتنما هذه الفرصة التاريخية لتقليص التوتر وإقامة تسوية مؤقتة نحو سلام واستقرار طويلي الأجل. ويتساءل البعض فيما إذا كانت بكين تملك الإدراك السياسي الكافي للقيام بعمل سريع ونشيط للإبقاء على زخم الدينامية الجديدة عبر المضيق، والقلق السائد أن بكين قد تعود إلى نهجها التقليدي ( ننتظر ونرى).
لكن، وبينما يفتح انتصار "ما" بشكل مؤكد، حقبة جديدة لبكين وتايبيه، أظهر التاريخ أن العلاقات الإيجابية عبر المضيق لا يمكن أن تصمد دون مباركة الولايات المتحدة، كما توفر نتيجة الانتخابات لواشنطن فرصة استراتيجية نادرة لإعادة تشكيل دينامية علاقاتها عبر المضيق والعلاقات الصينية الأمريكية في الوقت ذاته.
ومن بين أمور أخرى، وبوجود الإرادة السياسية التي لا تقدر بثمن، لدى كلا الجانبين، يمكن لأمريكا والصين أن تقوما بشكل مثير بالتخلص من قضية تايوان، وهي العامل الحاسم الوحيد الذي، على الأرجح يثير مواجهة عسكرية مأساوية بين كلتا القوتين في القرن الـ 21. وبدلاً من أخذ توجه قصير الأمد وأحادي الجانب لاستغلال الوضع الراهن أو البقاء مع أسلوب إدارة الأزمات، الذي ميّز السنوات الثماني الماضية، فقد يكون الوقت مناسباً لواشنطن لتنتهج سياسة أكثر تفاعلاً واستراتيجية عبر المضيق.
ومما يسجل لها أن سياسة واشنطن عبر المضيق بدأت تضحي أكثر فاعلية من 2007، وبموازنة الأمور فإن هذه السياسة أسهمت إيجابياً في إعادة تشكيل مفضل للسياسة التايوانية، وكرر المسؤولون الأمريكيون موقفهم الواضح من استفتاء تشن شوي بيان الذي أجرته الأمم المتحدة، الأمر الذي أضعف شرعيته بشكل كبير لدى الجمهور التايواني.
إن تحذيرات إدارة بوش الفظة وتدابيرها الحذرة وضعت ضغطاً متواصلاً على تشن وحكومة الحزب التقدمي الديمقراطي، مما أدى إلى ردع فاعل لأي إغراء بتخريب العملية الانتخابية من خلال "ألاعيب قذرة".
وأنجزت واشنطن وإدارة بوش بالذات ما لم تستطع بكين أن تنجزه – ضمنت انتقالاً سلسلاً للسلطة السياسية في تايوان دون تهديد أو إكراه.
ويبدو أن الطبيعة الفاعلة للسياسة الأمريكية مستمرة، كما أن كبار المسؤولين في البيت الأبيض أوضحوا أنه بينما لم تكن أمريكا في وضع تكون فيه مصممة إطار السلام عبر المضيق فسوف يكون أمراً غير مسؤول أن تقف على الهامش أيضاً. ودعت أمريكا من خلال قنواتها المختلفة كلا من بكين وتايبي لإعادة فتح الحوار، واتصل الرئيس بوش مع هو جنتاو شخصياً، وحثه على اغتنام هذه"الفرصة الجديدة" للتواصل مع تايوان. وقام نائب وزيرة الخارجية، نيغروبونتي بسرعة وعلانية بتبني اجتماع هو جنتاو – فكتور سيو يوم 16 نيسان (أبريل) 2008، بعد وقت قصير من الانتخابات أيضا.
ولكن ما إذا كانت العلاقات عبر المضيق تتحرك في اتجاه إيجابي أم لا، فإن هذا أمر يعتمد على قدرة واشنطن على الحفاظ على توازن دقيق في تعاملاتها مع بكين وتايبيه.
ويمكن لواشنطن، أولاً وقبل كل شيء، أن تؤكد لبكين وتايبيه أنها لا تملك أي أجندة خفية وأنها تؤيد، بإخلاص، مصالحة حقيقية بين الجانبين، وعلى أمريكا أن توضح أنها لن تقوم بأي شيء قد يتهدد التصور الهش لوفاق عبر المضيق.
والتحديات المباشرة بهذا الخصوص تجيء من عدة جبهات بالنسبة للولايات المتحدة، وأحدها يتمثل في بيع الأسلحة لتايوان والعلاقات العسكرية الأمريكية ـ التايوانية. عندما أعلن بوش عن واحدة من أكبر صفقات بيع الأسلحة لتايوان منذ عام 2001، كانت تايوان بطيئة في تسديد الفاتورة ويعود ذلك إلى حد كبير إلى معارضة الحزب الوطني السياسي التايواني في المجلس التشريعي، ولم تكن واشنطن راضية عن هذا. والآن بعد أن أصبح الحزب الوطني السياسي التايواني هو الحزب الحاكم سيتصاعد الضغط من إدارة بوش ولا سيما البنتاجون على حكومة ما ينج جيو للوفاء بالتزاماتها حول مشتريات الأسلحة، وينعكس هذا فعلاً في الملاحظات التي أطلقها المسؤولون الأمريكيون في واشنطن وتايبيه، وهذا عموماً أمر متوقع ومفهوم، وقد يكون شيئاً غير واقعي أن تتوقع بكين من واشنطن أن توقف بيع الأسلحة لتايوان لمجرد أن علاقات بكين – تايبيه قد تتحسن.
وإذا كانت واشنطن جادة حول إمكانات التقارب بين بكين وتايبيه، فإنه لا ينبغي عليها أن تظهر أنها متلهفة جداً للإلحاح على بيع المزيد من الأسلحة وعليها أن تحجم عن بيع أسلحة جديدة أكثر تطوراً، مثل طائرة "إف16 سي/دي" لتايوان وخصوصاً في هذه اللحظة. وبكين قلقة من إمكانية أن يقوم بوش قبل خروجه من المنصب، بإعطاء حكومة ما "هدية كبيرة" من الأسلحة، مثلما فعل والده الذي باع لتايوان 150 طائرة إف 16 أي/بي.
ومن المؤكد أن مثل هذه الخطوة ستعقد أو حتى ستبدد الروح الإيجابية للتفاعلات عبر المضيق، الأمر الذي يجبر بكين على الاستجابة بقوة.
ومع هذا فإن بوش اعترض عدة مرات على بيع طائرات إف 16 لتايوان خوفاً من زيادة التوتر في مضيق تايوان. ومع تراجع تهديد الصراع العسكري، ليس هناك أي سبب قوي يجعل واشنطن تغير رأيها إزاء هذا، ويجب على واشنطن أيضاً أن تكون حذرة إزاء رفع تحسين علاقاتها العسكرية مع تايبيه، وقد أدت المشاركة الأخيرة البارزة جداً لمسؤولين سياسيين وعسكريين أمريكيين بمن فيهم مدير المركز الأمريكي في تايوان، ستيفان يونج في تمرينات تايوان بوشان العسكرية إلى إثارة شيء من الرعب في بكين.
ولا حاجة إلى القول، كما يقول بعض مسؤولي إدارة بوش إن السياسة الأمريكية ببيع الأسلحة لتايوان يمكن أن تتأثر أيضا بحشد بكين العسكري على جانبها من مضيق تايوان، وإذا أرادت بكين من واشنطن أن تحجم عن المزيد من مبيعات الأسلحة لتايوان، فإن عليها أن تقوم بما عليها لتقليص التوتر.
وإذا علقت بكين أو قلصت نشر صواريخها التي تستهدف تايوان، فسيتأثر حساب واشنطن في اتخاذ القرارات حول بيع الأسلحة لتايوان، وهنا يكون ضبط النفس والنوايا الطيبة من الأطراف الثلاثة أمراً مهما لأي احتمال لحدوث وفاق دائم.
وهناك نقطة وميض أخرى محتملة وهي تحرك واشنطن الممكن لتحسين علاقتها السياسية مع تايوان. وبكين تراقب هذه القضية عن كثب، ففي عشية الانتخابات في تايوان، طرحت اقتراحات في دوائر السياسة في واشنطن لإصلاح العلاقات السياسية المتضررة بين أمريكا وتايبيه، وتحسين التعاملات الأمريكية غير الرسمية مع تايوان، وهي إمكانية سببت بعض القلق في الصين.
ويمكن لانتخاب (ما) أن يعطي مبررات أخرى لمثل هذه الخطوات، حسبما يبدو، في الوقت الذي تبدو فيه حكومته الجديدة أكثر قبولاً لدى الصين، لكن بكين ما زالت حساسة جداً لأي تدابير قد تتخذها واشنطن لجعل علاقاتها مع تايبيه رسمية أكثر، وهذه هي الحالة بالذات لأن الصين ما زالت تحمل بعض الشكوك حول "آراء ما الحقيقية" وأي خطوة متسرعة من قبل واشنطن لتعزيز علاقاتها السياسية مع تايبيه لا يحتمل لها أن تبني الثقة المتبادلة.
وكان اختيار مبكر بهذا الخصوص، رغبة ما ينج جيو المعلنة في زيارة واشنطن قبل تنصيبه، والتغطية الإعلامية المكثفة لهذه المبادرة وضعت واشنطن في وضع حرج، لكن بعد بعض التردد رفضت واشنطن طلبه بهدوء. وفي ضوء الوضع الدقيق قد يكون هذا قراراً حصيفاً، والذي تجنب مواجهة دبلوماسية غير ضرورية، كما أن حقيقة أن ما وفريقه لم يصراَ على مثل هذه الزيارة، أظهرت المرونة المطلوبة كثيراً من جانب تايوان، وهو أمر قد يكون مطلوباً مرة أخرى في المستقبل.
تبين المؤشرات الصادرة حتى الآن أن تناولاً حذراً لمثل هذه الأمور من جانب الولايات المتحدة خلال هذه الفترة الانتقالية الحساسة قد يعزز الدينامية الإيجابية في العلاقات عبر المضيق، فبعد أن تلقى إشارات واضحة من بوش حول زيارة ما، فإن هو جنتاو شعر بارتياح أكثر في الاجتماع مع نائب الرئيس المنتخب فنسنت سيو، في بواو، ويوحي هذا المشهد أن على واشنطن أن تكون صبورة في مساعدة تايوان على توسيع مشاركتها في المنظمات الدولية، وإذا تحركت واشنطن بسرعة كبيرة قبل الأوان، قبل أن يتمكن الجانبان من التوصل إلى تفاهم متبادل حول قضية المجال الدولي لتايوان، فإن مثل هذه الخطوة يمكن أن تكون أقل فاعلية أو حتى ذات مردود عكسي.
ومع أن الزعيم الصيني هو جنتاو أكد أن مستقبل العلاقات عبر المضيق ينبغي إدراكه جيداً من قبل الصينيين في كلا جانبي المضيق، في اجتماعه مع فنسنت سيو، فإنه لا يمكن تجاهل المصلحة والهواجس الأمريكية في عملية المصالحة عبر المضيق. ولتحقيق وضع لا غالب ولا مغلوب، فإن على الأطراف الثلاثة أن يكون لديها إحساس بالإلحاحية التاريخية والتصور لاغتنام هذه الفرصة الاستراتيجية الجديدة لتحقيق سلام واستقرار طويلي الأجل في مضيق تايوان.
ويجب على واشنطن أن تنخرط بفاعلية في تشجيع وتسهيل الحوارات والوفاق عبر المضيق، دون الإقدام على أعمال تعقد العملية وتحبطها، والولايات المتحدة ليست متفرجة، بأي حال من الأحوال، فهي تراقب لعبة عبر المضيق فقط، ويجب على بكين وتايبيه، من جانبهما، أن تكثفا مشاوراتهما وتواصلهما مع واشنطن حول العلاقات عبر المضيق في السنوات المقبلة. فدون موافقة وتفاهم أمريكي سيكون أي إطار سلام مستقبلي واتفاق بين بكين وتايبيه أكثر صعوبة وأقل فاعلية.
وانج جيانوي
بكين وواشنطن تملكان السبب للشعور بالارتياح من الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تايوان، فمع أداء مرشح الحزب الوطني السياسي التايواني، ما ينج جيو لليمين الدستوري يوم 20 أيار (مايو) ومع هزيمة استفتاء الأمم المتحدة، زالت سحب الحرب حول مضيق تايوان.
الرأي الأمريكي السائد في واشنطن يقول إن على كلا الجانبين، ولا سيما بكين، أن يغتنما هذه الفرصة التاريخية لتقليص التوتر وإقامة تسوية مؤقتة نحو سلام واستقرار طويلي الأجل. ويتساءل البعض فيما إذا كانت بكين تملك الإدراك السياسي الكافي للقيام بعمل سريع ونشيط للإبقاء على زخم الدينامية الجديدة عبر المضيق، والقلق السائد أن بكين قد تعود إلى نهجها التقليدي ( ننتظر ونرى).
لكن، وبينما يفتح انتصار "ما" بشكل مؤكد، حقبة جديدة لبكين وتايبيه، أظهر التاريخ أن العلاقات الإيجابية عبر المضيق لا يمكن أن تصمد دون مباركة الولايات المتحدة، كما توفر نتيجة الانتخابات لواشنطن فرصة استراتيجية نادرة لإعادة تشكيل دينامية علاقاتها عبر المضيق والعلاقات الصينية الأمريكية في الوقت ذاته.
ومن بين أمور أخرى، وبوجود الإرادة السياسية التي لا تقدر بثمن، لدى كلا الجانبين، يمكن لأمريكا والصين أن تقوما بشكل مثير بالتخلص من قضية تايوان، وهي العامل الحاسم الوحيد الذي، على الأرجح يثير مواجهة عسكرية مأساوية بين كلتا القوتين في القرن الـ 21. وبدلاً من أخذ توجه قصير الأمد وأحادي الجانب لاستغلال الوضع الراهن أو البقاء مع أسلوب إدارة الأزمات، الذي ميّز السنوات الثماني الماضية، فقد يكون الوقت مناسباً لواشنطن لتنتهج سياسة أكثر تفاعلاً واستراتيجية عبر المضيق.
ومما يسجل لها أن سياسة واشنطن عبر المضيق بدأت تضحي أكثر فاعلية من 2007، وبموازنة الأمور فإن هذه السياسة أسهمت إيجابياً في إعادة تشكيل مفضل للسياسة التايوانية، وكرر المسؤولون الأمريكيون موقفهم الواضح من استفتاء تشن شوي بيان الذي أجرته الأمم المتحدة، الأمر الذي أضعف شرعيته بشكل كبير لدى الجمهور التايواني.
إن تحذيرات إدارة بوش الفظة وتدابيرها الحذرة وضعت ضغطاً متواصلاً على تشن وحكومة الحزب التقدمي الديمقراطي، مما أدى إلى ردع فاعل لأي إغراء بتخريب العملية الانتخابية من خلال "ألاعيب قذرة".
وأنجزت واشنطن وإدارة بوش بالذات ما لم تستطع بكين أن تنجزه – ضمنت انتقالاً سلسلاً للسلطة السياسية في تايوان دون تهديد أو إكراه.
ويبدو أن الطبيعة الفاعلة للسياسة الأمريكية مستمرة، كما أن كبار المسؤولين في البيت الأبيض أوضحوا أنه بينما لم تكن أمريكا في وضع تكون فيه مصممة إطار السلام عبر المضيق فسوف يكون أمراً غير مسؤول أن تقف على الهامش أيضاً. ودعت أمريكا من خلال قنواتها المختلفة كلا من بكين وتايبي لإعادة فتح الحوار، واتصل الرئيس بوش مع هو جنتاو شخصياً، وحثه على اغتنام هذه"الفرصة الجديدة" للتواصل مع تايوان. وقام نائب وزيرة الخارجية، نيغروبونتي بسرعة وعلانية بتبني اجتماع هو جنتاو – فكتور سيو يوم 16 نيسان (أبريل) 2008، بعد وقت قصير من الانتخابات أيضا.
ولكن ما إذا كانت العلاقات عبر المضيق تتحرك في اتجاه إيجابي أم لا، فإن هذا أمر يعتمد على قدرة واشنطن على الحفاظ على توازن دقيق في تعاملاتها مع بكين وتايبيه.
ويمكن لواشنطن، أولاً وقبل كل شيء، أن تؤكد لبكين وتايبيه أنها لا تملك أي أجندة خفية وأنها تؤيد، بإخلاص، مصالحة حقيقية بين الجانبين، وعلى أمريكا أن توضح أنها لن تقوم بأي شيء قد يتهدد التصور الهش لوفاق عبر المضيق.
والتحديات المباشرة بهذا الخصوص تجيء من عدة جبهات بالنسبة للولايات المتحدة، وأحدها يتمثل في بيع الأسلحة لتايوان والعلاقات العسكرية الأمريكية ـ التايوانية. عندما أعلن بوش عن واحدة من أكبر صفقات بيع الأسلحة لتايوان منذ عام 2001، كانت تايوان بطيئة في تسديد الفاتورة ويعود ذلك إلى حد كبير إلى معارضة الحزب الوطني السياسي التايواني في المجلس التشريعي، ولم تكن واشنطن راضية عن هذا. والآن بعد أن أصبح الحزب الوطني السياسي التايواني هو الحزب الحاكم سيتصاعد الضغط من إدارة بوش ولا سيما البنتاجون على حكومة ما ينج جيو للوفاء بالتزاماتها حول مشتريات الأسلحة، وينعكس هذا فعلاً في الملاحظات التي أطلقها المسؤولون الأمريكيون في واشنطن وتايبيه، وهذا عموماً أمر متوقع ومفهوم، وقد يكون شيئاً غير واقعي أن تتوقع بكين من واشنطن أن توقف بيع الأسلحة لتايوان لمجرد أن علاقات بكين – تايبيه قد تتحسن.
وإذا كانت واشنطن جادة حول إمكانات التقارب بين بكين وتايبيه، فإنه لا ينبغي عليها أن تظهر أنها متلهفة جداً للإلحاح على بيع المزيد من الأسلحة وعليها أن تحجم عن بيع أسلحة جديدة أكثر تطوراً، مثل طائرة "إف16 سي/دي" لتايوان وخصوصاً في هذه اللحظة. وبكين قلقة من إمكانية أن يقوم بوش قبل خروجه من المنصب، بإعطاء حكومة ما "هدية كبيرة" من الأسلحة، مثلما فعل والده الذي باع لتايوان 150 طائرة إف 16 أي/بي.
ومن المؤكد أن مثل هذه الخطوة ستعقد أو حتى ستبدد الروح الإيجابية للتفاعلات عبر المضيق، الأمر الذي يجبر بكين على الاستجابة بقوة.
ومع هذا فإن بوش اعترض عدة مرات على بيع طائرات إف 16 لتايوان خوفاً من زيادة التوتر في مضيق تايوان. ومع تراجع تهديد الصراع العسكري، ليس هناك أي سبب قوي يجعل واشنطن تغير رأيها إزاء هذا، ويجب على واشنطن أيضاً أن تكون حذرة إزاء رفع تحسين علاقاتها العسكرية مع تايبيه، وقد أدت المشاركة الأخيرة البارزة جداً لمسؤولين سياسيين وعسكريين أمريكيين بمن فيهم مدير المركز الأمريكي في تايوان، ستيفان يونج في تمرينات تايوان بوشان العسكرية إلى إثارة شيء من الرعب في بكين.
ولا حاجة إلى القول، كما يقول بعض مسؤولي إدارة بوش إن السياسة الأمريكية ببيع الأسلحة لتايوان يمكن أن تتأثر أيضا بحشد بكين العسكري على جانبها من مضيق تايوان، وإذا أرادت بكين من واشنطن أن تحجم عن المزيد من مبيعات الأسلحة لتايوان، فإن عليها أن تقوم بما عليها لتقليص التوتر.
وإذا علقت بكين أو قلصت نشر صواريخها التي تستهدف تايوان، فسيتأثر حساب واشنطن في اتخاذ القرارات حول بيع الأسلحة لتايوان، وهنا يكون ضبط النفس والنوايا الطيبة من الأطراف الثلاثة أمراً مهما لأي احتمال لحدوث وفاق دائم.
وهناك نقطة وميض أخرى محتملة وهي تحرك واشنطن الممكن لتحسين علاقتها السياسية مع تايوان. وبكين تراقب هذه القضية عن كثب، ففي عشية الانتخابات في تايوان، طرحت اقتراحات في دوائر السياسة في واشنطن لإصلاح العلاقات السياسية المتضررة بين أمريكا وتايبيه، وتحسين التعاملات الأمريكية غير الرسمية مع تايوان، وهي إمكانية سببت بعض القلق في الصين.
ويمكن لانتخاب (ما) أن يعطي مبررات أخرى لمثل هذه الخطوات، حسبما يبدو، في الوقت الذي تبدو فيه حكومته الجديدة أكثر قبولاً لدى الصين، لكن بكين ما زالت حساسة جداً لأي تدابير قد تتخذها واشنطن لجعل علاقاتها مع تايبيه رسمية أكثر، وهذه هي الحالة بالذات لأن الصين ما زالت تحمل بعض الشكوك حول "آراء ما الحقيقية" وأي خطوة متسرعة من قبل واشنطن لتعزيز علاقاتها السياسية مع تايبيه لا يحتمل لها أن تبني الثقة المتبادلة.
وكان اختيار مبكر بهذا الخصوص، رغبة ما ينج جيو المعلنة في زيارة واشنطن قبل تنصيبه، والتغطية الإعلامية المكثفة لهذه المبادرة وضعت واشنطن في وضع حرج، لكن بعد بعض التردد رفضت واشنطن طلبه بهدوء. وفي ضوء الوضع الدقيق قد يكون هذا قراراً حصيفاً، والذي تجنب مواجهة دبلوماسية غير ضرورية، كما أن حقيقة أن ما وفريقه لم يصراَ على مثل هذه الزيارة، أظهرت المرونة المطلوبة كثيراً من جانب تايوان، وهو أمر قد يكون مطلوباً مرة أخرى في المستقبل.
تبين المؤشرات الصادرة حتى الآن أن تناولاً حذراً لمثل هذه الأمور من جانب الولايات المتحدة خلال هذه الفترة الانتقالية الحساسة قد يعزز الدينامية الإيجابية في العلاقات عبر المضيق، فبعد أن تلقى إشارات واضحة من بوش حول زيارة ما، فإن هو جنتاو شعر بارتياح أكثر في الاجتماع مع نائب الرئيس المنتخب فنسنت سيو، في بواو، ويوحي هذا المشهد أن على واشنطن أن تكون صبورة في مساعدة تايوان على توسيع مشاركتها في المنظمات الدولية، وإذا تحركت واشنطن بسرعة كبيرة قبل الأوان، قبل أن يتمكن الجانبان من التوصل إلى تفاهم متبادل حول قضية المجال الدولي لتايوان، فإن مثل هذه الخطوة يمكن أن تكون أقل فاعلية أو حتى ذات مردود عكسي.
ومع أن الزعيم الصيني هو جنتاو أكد أن مستقبل العلاقات عبر المضيق ينبغي إدراكه جيداً من قبل الصينيين في كلا جانبي المضيق، في اجتماعه مع فنسنت سيو، فإنه لا يمكن تجاهل المصلحة والهواجس الأمريكية في عملية المصالحة عبر المضيق. ولتحقيق وضع لا غالب ولا مغلوب، فإن على الأطراف الثلاثة أن يكون لديها إحساس بالإلحاحية التاريخية والتصور لاغتنام هذه الفرصة الاستراتيجية الجديدة لتحقيق سلام واستقرار طويلي الأجل في مضيق تايوان.
ويجب على واشنطن أن تنخرط بفاعلية في تشجيع وتسهيل الحوارات والوفاق عبر المضيق، دون الإقدام على أعمال تعقد العملية وتحبطها، والولايات المتحدة ليست متفرجة، بأي حال من الأحوال، فهي تراقب لعبة عبر المضيق فقط، ويجب على بكين وتايبيه، من جانبهما، أن تكثفا مشاوراتهما وتواصلهما مع واشنطن حول العلاقات عبر المضيق في السنوات المقبلة. فدون موافقة وتفاهم أمريكي سيكون أي إطار سلام مستقبلي واتفاق بين بكين وتايبيه أكثر صعوبة وأقل فاعلية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق