مجلة سيدتي السعودية
جمال الغيطاني
الثلاثاء
نتجه إلى الميدان السماوي، تقول دينا إنه مغلق على السيارات بسبب انعقاد مؤتمر الحزب الشيوعي، آلاف القيادات جاءوا من مختلف أنحاء الصين، رأيت لقطات من الاجتماعات في التلفزيون، يختلف مظهر الاجتماعات الآن عن الماضي، في مرحلة ماو كان الجميع يرتدون الحلة الموحدة الشهيرة، الآن قادة الصين يرتدون الملابس العادية، بل إن مظهرهم وحركاتهم تبدو عادية، تخلو من الإشارات الدقيقة والتي في معظمها ترد على الجماهير المحتشدة المتشابهة التي تنظر إلى جهة واحدة، إلى نقطة واحدة، إلى زعيم واحد، في برلين الموحشة كنت أمشي في الشارع الرئيس العريض الذي بدا لي خالياً، بارداً، تسلكه السيارات بسرعة غير أنني كنت أستعيد بالخيال استعراضات الجيش النازي وشبيبة العاصفة، انتظامهم، التقاءهم إلى نقطة واحدة، إلى رجل واحد، إلى الفوهرر، هل من تشابه؟، منذ سنوات كنت أرفض المقارنة، فما أوسع المسافة التي تفصل بين ماو القائد الشيوعي الذي قاد شعبه من أجل التحرير والعدالة، والقائد النازي العنصري هتلر الذي قاد شعبه إلى مصيبة كبرى، والذي كان عماد فكر نظامه العنصرية وإبادة الجنس المخالف، الآن في طريقي إلى الميدان السماوي وعلى الجانبين جميع رموز الرأسمالية الحديثة والتجارة العالمية، أجد المقارنة واردة، إنني مؤمن بالمراجعة، أن يعيد الإنسان النظر في مواقفه، في معتقداته السياسية والفكرية، شرط ألا تكون المراجعة بسبب السعي للحصول على مكاسب مادية، إن تغيير بعض المثقفين لمواقفهم ورشاقة انتقالهم من مواقع فكرية إلى أخرى يجعلني أشد حذراً، لكنني من ناحية أخرى أشعر بأن ما تبقى لنا محدود، الوقت المتاح قليل، ويجب أن نشهد شهادة صادقة قبل الرحيل، أخشى الآن يقيني بأن كل ما اعتقدته وآمنت به ليس إلا قبض ريح!
الثلاثاء عصراً
هانحن نقترب من الميدان السماوي، تتوزع حوله مؤسسات الدولة، الزحام شديد، المؤتمر العام للحزب الشيوعي الحاكم يعقد هنا في مقر نواب الشعب، يمكنني أنا غير الخبير بالصين وقومياتها أن ألمح أولئك الذين جاءوا من أماكن بعيدة عن بكين، من طريقة النظر، التطلع، المشي في مجموعات، إنهم ضيوف على العاصمة، الميدان فسيح، لعله الأكبر فيما شاهدت، أوسع من الساحة الحمراء بموسكو، ومن ميدان الكونكورد الذي تتوسطه المسلة المصرية في باريس، على الميدان يطل مدخل المدينة المقدسة، مقر الإمبراطور الصيني، النظام الذي ظل يحكم هذه البلاد مترامية الأطراف لأكثر من ألف سنة، انتهى في عام عشرة من القرن الماضي، مقر الحزب الشيوعي في مواجهة المقر الإمبراطوري، مراكز الحكم واحدة وإن اختلفت طبيعتها، بل إن الشرفة التي كان يطل منها ماو على جنده وحرسه الأحمر وجماهيره تقع أعلى المدخل الرئيس للمدينة المقدسة، حيث قصور الإمبراطور ومؤسسات حكمه، تتدلى صورة ضخمة بالألوان للزعيم ماو، التعبير على وجهه حيرني، غامض، هل هو صارم؟ هل هو حانق كظيم لتبدل الأحوال، وقيام النقيض لكل ما حارب من أجله وقاد الجماهير لتحقيقه؟ لا أدري، ولكنني علمت أنها الصورة الوحيدة لماو في الصين كلها، عندما زرت شنغهاي منذ عامين، أثناء صعودي السلم المتحرك داخل المكتبة الضخمة التي توازي في حجمها مجمع التحرير، سألت مرافقتي الأستاذة في الجامعة عن صور ماو، أين هي؟ أشارت إلى صدرها، قالت بغموض صيني: إنها في قلوبنا، عندئذ ابتسمت، لم أنطق الإجابة، لا فائدة من المجادلة، الصور لا توجد، في هذه المرة تحدثت مطولاً إلى عدد من الأدباء وأساتذة الجامعة ومواطنين عاديين: ماو الذي كان بطل الجماهير شخصية مختلف حولها الآن، البعض يحن إلى أيامه، لأن المستوى كان متقارباً، ولكن الجزء الأكبر يرى فيه قسوة وأنه كان عظيماً، لكن أخطاءه كانت أعظم، خاصة الثورة الثقافية التي راح ضحيتها عشرات الألوف، وتركت ذكريات داكنة، يتحدثون بعاطفة محبة عن شواين لاي، عن قادة آخرين زاملوا ماو، لكن الرجل الذي يتحدثون عنه بإعجاب، دنج هسياو بنج، إنه مهندس الصين الحديثة، ومؤسس هذا التحول الذي جرى، هو صاحب الجملة الشهيرة: ليس مهماً لون القط أسود أو أبيض، المهم أن يأكل القط الفأر، وهو القائل أيضاً: لنصل إلى الضفة الأخرى من النهر بتحسس الأحجار تحت الماء، كانت الخطوة الأولى في مؤتمر الحزب عام ثمانية وسبعين الذي أسس للتو هي التحول بسن المراتب العليا من القيادة إلى سن الخمسين، وألا يستمر المسؤولون في مواقعهم إلا مدتين فقط أياً كانت مهاراتهم أو قدراتهم، كان ذلك بداية انطلاق الصين، الانطلاق الحذر المنضبط الذي وصل بها إلى معدلات تنمية تتجاوز العشرين في المائة، وعكس كل دول العالم تجري محاولة تهبيط معدلات النمو، إحدى القرى الصينية أصبحت مركزاً صناعياً هاماً للإنتاج، دخلها السنوي الآن أربعون مليار دولار!، تأمل ما يجري في الصين مهم جداً بالنسبة لنا، ويثير الأمل ولكن بشروط.
جمال الغيطاني
الثلاثاء
نتجه إلى الميدان السماوي، تقول دينا إنه مغلق على السيارات بسبب انعقاد مؤتمر الحزب الشيوعي، آلاف القيادات جاءوا من مختلف أنحاء الصين، رأيت لقطات من الاجتماعات في التلفزيون، يختلف مظهر الاجتماعات الآن عن الماضي، في مرحلة ماو كان الجميع يرتدون الحلة الموحدة الشهيرة، الآن قادة الصين يرتدون الملابس العادية، بل إن مظهرهم وحركاتهم تبدو عادية، تخلو من الإشارات الدقيقة والتي في معظمها ترد على الجماهير المحتشدة المتشابهة التي تنظر إلى جهة واحدة، إلى نقطة واحدة، إلى زعيم واحد، في برلين الموحشة كنت أمشي في الشارع الرئيس العريض الذي بدا لي خالياً، بارداً، تسلكه السيارات بسرعة غير أنني كنت أستعيد بالخيال استعراضات الجيش النازي وشبيبة العاصفة، انتظامهم، التقاءهم إلى نقطة واحدة، إلى رجل واحد، إلى الفوهرر، هل من تشابه؟، منذ سنوات كنت أرفض المقارنة، فما أوسع المسافة التي تفصل بين ماو القائد الشيوعي الذي قاد شعبه من أجل التحرير والعدالة، والقائد النازي العنصري هتلر الذي قاد شعبه إلى مصيبة كبرى، والذي كان عماد فكر نظامه العنصرية وإبادة الجنس المخالف، الآن في طريقي إلى الميدان السماوي وعلى الجانبين جميع رموز الرأسمالية الحديثة والتجارة العالمية، أجد المقارنة واردة، إنني مؤمن بالمراجعة، أن يعيد الإنسان النظر في مواقفه، في معتقداته السياسية والفكرية، شرط ألا تكون المراجعة بسبب السعي للحصول على مكاسب مادية، إن تغيير بعض المثقفين لمواقفهم ورشاقة انتقالهم من مواقع فكرية إلى أخرى يجعلني أشد حذراً، لكنني من ناحية أخرى أشعر بأن ما تبقى لنا محدود، الوقت المتاح قليل، ويجب أن نشهد شهادة صادقة قبل الرحيل، أخشى الآن يقيني بأن كل ما اعتقدته وآمنت به ليس إلا قبض ريح!
الثلاثاء عصراً
هانحن نقترب من الميدان السماوي، تتوزع حوله مؤسسات الدولة، الزحام شديد، المؤتمر العام للحزب الشيوعي الحاكم يعقد هنا في مقر نواب الشعب، يمكنني أنا غير الخبير بالصين وقومياتها أن ألمح أولئك الذين جاءوا من أماكن بعيدة عن بكين، من طريقة النظر، التطلع، المشي في مجموعات، إنهم ضيوف على العاصمة، الميدان فسيح، لعله الأكبر فيما شاهدت، أوسع من الساحة الحمراء بموسكو، ومن ميدان الكونكورد الذي تتوسطه المسلة المصرية في باريس، على الميدان يطل مدخل المدينة المقدسة، مقر الإمبراطور الصيني، النظام الذي ظل يحكم هذه البلاد مترامية الأطراف لأكثر من ألف سنة، انتهى في عام عشرة من القرن الماضي، مقر الحزب الشيوعي في مواجهة المقر الإمبراطوري، مراكز الحكم واحدة وإن اختلفت طبيعتها، بل إن الشرفة التي كان يطل منها ماو على جنده وحرسه الأحمر وجماهيره تقع أعلى المدخل الرئيس للمدينة المقدسة، حيث قصور الإمبراطور ومؤسسات حكمه، تتدلى صورة ضخمة بالألوان للزعيم ماو، التعبير على وجهه حيرني، غامض، هل هو صارم؟ هل هو حانق كظيم لتبدل الأحوال، وقيام النقيض لكل ما حارب من أجله وقاد الجماهير لتحقيقه؟ لا أدري، ولكنني علمت أنها الصورة الوحيدة لماو في الصين كلها، عندما زرت شنغهاي منذ عامين، أثناء صعودي السلم المتحرك داخل المكتبة الضخمة التي توازي في حجمها مجمع التحرير، سألت مرافقتي الأستاذة في الجامعة عن صور ماو، أين هي؟ أشارت إلى صدرها، قالت بغموض صيني: إنها في قلوبنا، عندئذ ابتسمت، لم أنطق الإجابة، لا فائدة من المجادلة، الصور لا توجد، في هذه المرة تحدثت مطولاً إلى عدد من الأدباء وأساتذة الجامعة ومواطنين عاديين: ماو الذي كان بطل الجماهير شخصية مختلف حولها الآن، البعض يحن إلى أيامه، لأن المستوى كان متقارباً، ولكن الجزء الأكبر يرى فيه قسوة وأنه كان عظيماً، لكن أخطاءه كانت أعظم، خاصة الثورة الثقافية التي راح ضحيتها عشرات الألوف، وتركت ذكريات داكنة، يتحدثون بعاطفة محبة عن شواين لاي، عن قادة آخرين زاملوا ماو، لكن الرجل الذي يتحدثون عنه بإعجاب، دنج هسياو بنج، إنه مهندس الصين الحديثة، ومؤسس هذا التحول الذي جرى، هو صاحب الجملة الشهيرة: ليس مهماً لون القط أسود أو أبيض، المهم أن يأكل القط الفأر، وهو القائل أيضاً: لنصل إلى الضفة الأخرى من النهر بتحسس الأحجار تحت الماء، كانت الخطوة الأولى في مؤتمر الحزب عام ثمانية وسبعين الذي أسس للتو هي التحول بسن المراتب العليا من القيادة إلى سن الخمسين، وألا يستمر المسؤولون في مواقعهم إلا مدتين فقط أياً كانت مهاراتهم أو قدراتهم، كان ذلك بداية انطلاق الصين، الانطلاق الحذر المنضبط الذي وصل بها إلى معدلات تنمية تتجاوز العشرين في المائة، وعكس كل دول العالم تجري محاولة تهبيط معدلات النمو، إحدى القرى الصينية أصبحت مركزاً صناعياً هاماً للإنتاج، دخلها السنوي الآن أربعون مليار دولار!، تأمل ما يجري في الصين مهم جداً بالنسبة لنا، ويثير الأمل ولكن بشروط.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق