
صحيفة الوطن السورية
فيصل سعد (دكتور في علم الاجتماع ومدرس سوسيولوجيا الإعلام في جامعة تشرين)
تفيد دروس التاريخ الحديث والمعاصر أن الأحادية القطبية هي الاستثناء الذي يُؤكد حقيقة التعددية القطبية كقاعدة تاريخية. ذلك أن آليات عمل النظام الذي يقوم على أحادية القطب هي من نوع الإكراه والعنف والاستئثار والتضليل، وليست من نوع الحوار والعدالة أو الندّية والديمقراطية. الأمر الذي يدفع، لاحقاً، إلى انفجار النظام الدولي، القائم في هذه المرحلة التاريخية أو تلك، وانهياره على نفسه تحت ثقل التناقضات التي يحبل بها على خلفية عنف منطقه البنيوي ودكتاتورية آليات عمله السياسي.
وبالنتيجة تبدأ مرحلة انتقالية تتبلور خلالها قوى أخرى وأقطاب حقيقية تُنهي نظام القطب الواحد بإنتاج مداخل تاريخية نحو نظام عالمي آخر بديل يقوم على قواعد العدالة والتعددية والديمقراطية، ودائماً بالمعايير التاريخية الجارية جريان التاريخ نفسه.
تلك هي القانونية التاريخية التي حكمت النظام الرأسمالي (كأول نظام عالمي في التاريخ البشري) منذ انطلاقته الأولى قبل خمسة قرون وحتى هذه الآونة، فمعاهدة وستفاليا (1648) سرعان ما أعلنت نهاية الهيمنة الهولندية، بعد فترة وجيزة من نشوئها، وأقرت التعددية القطبية: الإنكليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية، بينما أعاد مؤتمر فيينا (1815) التأكيد على توازن القوى القارية (الفرنسية والبروسية والنمساوية والروسية) بعد خلل اعتراه دفع بالهيمنة البريطانية إلى السطح، مؤقتاً ولزمن غير طويل. وقد أفصحت قمة الدول الثماني التي انعقدت في بطرسبورغ (2006) عن ولادة أقطاب أخرى جديدة تنمو بمعدلات غير مسبوقة في اتجاه اللحاق بالقطب الأميركي المُهيمن، وهي، بالضبط، تلك التي أشار إليها خطاب القمة للرئيس الروسي السابق بوتين: (روسيا- الصين- الهند- البرازيل، إلى جانب اليابان وألمانيا).
وبالفعل، تُشير الوقائع الملموسة، مدعومة بالأرقام والنسب المئوية، إلى حقيقة أن تلك البلدان هي مشاريع أقطاب عالمية، وقد غدا بعضها على مشارف إنجاز المشروع، والانتقال، بالتالي، من حالة مشروع قطب إلى حالة قطب حقيقي مُكافئ وندّي للقطب الأميركي ليس على مستوى واحد، وإنما على كل، أو معظم، مستويات القوة التي تتطلبها ظاهرة القطب، الاقتصادية منها والسياسية والإستراتيجية، تماماً كواقع الحال الذي كان قائماً بين العملاقين الأميركي والسوفييتي في ظل نظام الثنائية القطبية بين عامي (1945) و(1991).
ويبدو لي، احتكاماً لحقائق التاريخ المنطقية ومعطيات اللحظة التاريخية الراهنة وقرائنها المادية، أن الصين هي اليوم أقرب إلى ذلك الواقع وأسرع الأقطاب العالمية الأخرى الناشئة داخل مضمار السباق إلى تحدي القطب الأميركي ومنافسته على شغل كرسي زعامة العالم في ظل نظام عالمي متعدد الأقطاب جديد حقاً. وأُسجّل هنا حقيقة تاريخية أزعم أنها ضرورية لإضفاء بعض المصداقية على هذه الرؤية، ومفادها أن الانتقال من نظام تاريخي إلى آخر يتم انطلاقاً من بلدان أطرافه، التي ستغدو، لاحقاً، مراكز النظام الجديد أو عواصمه، وليس من بلدان مراكزه، التي تشغل أطراف أو محيط النظام الأخير. فالانتقال إلى النظام الرأسمالي لم ينطلق من مناطق الشرق الصيني والعربي (مراكز النظام الإقطاعي في حينه)، وإنما من مناطق أوروبا الطرفية الأقل تقدماً في الحين نفسه. وكذلك الأمر بالنسبة للانتقال إلى النظام الإقطاعي الذي حصل، بداية، من مناطق الهمج أو البربر المشاعية المتخلفة في أوروبا وليس انطلاقاً من أثينا وروما (مراكز النظام العبودي) الأكثر تطوراً في ذلك الحين التاريخي.
والحال فإن الصين اليوم (كمشروع قطب عالمي كبير) هي أكثر بلدان محيط النظام الرأسمالي منجزات فعل وطاقات قوة على اختراق جدار محيطه مدخلاً إستراتيجياً نحو نظام عالمي آخر جديد تشغل فيه أحد مراكزه أو مركز عاصمته. فعلى المستوى الاقتصادي غدت الصين القوة الاقتصادية الثالثة في العالم وفق التصنيفات الصادرة عن البنك الدولي أوائل العام ألفين وثمانية، وبينما وصل الفائض التجاري بين الصين والولايات المتحدة، لهذا العام، إلى مئتين وخمسين مليار دولار، لمصلحة الصين، فإن احتياطها من الدولار، للعام نفسه، قد بلغ نحو تريليون دولار. الأمر الذي انعكس، بصورة طبيعيــة، في زيادة الدخل الفردي للمواطن الصيني، وتعاظم القيمة الشرائية لليوان ( العملة الوطنية ) نتيجة ارتفاع سعر صرفه بالدولار.
ولا بأس أن نعرض هنا اللوحة الإحصائية التالية التي تعرض القوة الصينية على المستوى الاقتصادي بالأرقام والنسب المئوية: (بلغ إجمالي ناتج الصين القومي للعام الجاري (3.2) تريليونات دولار، وينمو الاقتصاد الصيني، على مدى السنوات الخمس الأخيرة، بمعدل نمو سنوي قدره (12%).
وقد غدت مدينة شنغهاي ثاني أكبر مدن «المال والأعمال» في العالم، فالصين اليوم هي أكبر بلد مُصدّر وثالث أكبر مستورد في العالم. وهي، علاوة على ذلك، البلد الأول، بامتياز، في إنتاج كل من أجهزة الاتصال المحمولة والكاميرات الرقمية والغسّالات وألعاب الأطفال الإلكترونية وأجهزة التلفزيون، وكذلك في إنتاج الحديد الخام والفحم والإسمنت والحبوب واللحوم والعسل و.. الخ). والصين من بلدان الطليعة في إنتاج الصناعات المعدنية الأساسية وآلات ومعدات النقل والصناعات البتروكيماوية الثقيلة وصناعة الإنشاءات الهندسية الضخمة، ناهيك عن تميّزها في صناعة كل من الطاقة النووية وطائرات النقل العملاقة. على هذا النحو، الموجز للغاية، تبدو الصين قوة اقتصادية هائلة، بالمقاييس العالمية للقوة، في عصر منطقه القوة لا قوة المنطق، فالمصالح الاقتصادية المتوحشة تلتهم المبادئ الأخلاقية في «غابة» العولمة الأميركية، بصورة غير مشهودة في تاريخ العلاقات الدولية.
وتتجلى القوة الصينية على المستوى السياسي بجملة من الحقائق الكبيرة، لعل أبرزها حقيقة أن الصين عضو دائم العضوية في مجلس الأمن الدولي يتمتع بحق النقض (veto) كما هو حال الأعضاء الآخرين دائمي العضوية تحت قبة المجلس العتيد، الأمر الذي يعني أن الصين جزء عضوي من القرار السياسي الدولي وأحد الرسامين الأساسيين لخريطة العالم السياسية. والدولة الصينية، كحقيقة سياسية ثانية، تُسيطر على علاقاتها الخارجية وتقودها في الاتجاه والشكل اللذين يدعمان تنميتها الوطنية ويحفظها، بعيداً عن التبعية.
والحقيقة السياسية الثالثة هي أن الأمة الصينية تعمل، حثيثة، على بناء وتوطيد وحدتها السياسية القومية، فقد عادت إلى الوطن الأم كل من هونغ كونغ عام (1997) وماكاو عام (1999) والتيبت سنة (2003)، وكذلك ولاية «براديش» في كشمير، وتبذل الصين قصارى جهدها لاستعادة تايوان كثروة علمية- تكنولوجية هائلة.
والصين، كمشروع قطب بنيوي جديد، هي نموذج لنظام عالمي آخر كخيار سياسي بديل من الخيار الرأسمالي لعموم المجتمع البشري، فالمشروع الصيني يقوم على منطق بنيوي فريد يجمع، على نحو جدلي، بين إيجابيات كل من المشروع السوفييتي المهزوم والمشروع الرأسمالي العولمي المأزوم تحت عنوان عريض هو «اشتراكية السوق»، بمعنى الإنتاج بآليات السوق الرأسمالية وتوزيع الإنتاجية بآليات الاشتراكية (أو العدالة الاجتماعية).
وعلى المستوى الإستراتيجي (بالمعنى الواسع للكلمة)، فقد أضحت الصين قوة عظمى أو «شبه عظمى» على هذا المستوى من القوة الضرورية لنشوء القطب وتبلوره.
وللقوة على المستوى الإستراتيجي أربعة جوانب أساسية هي جانب الرصيد البشري ومخزون الثروة الطبيعية - الجغرافية وكذلك الجانب العسكري والجانب الفضائي وجانب النفوذ الدولي، بمعيار الحضور اللوجستي الفاعل، والفعّال، خارج حدود الذات القومية. فمن الجانب الأول تعتبر الصين أكبر «كتلة بشرية» في العالم (23% من سكان الأرض) والصينيون ليسوا مجرد رقم إحصائي، وإنما كيف ونوع، أيضاً، نتيجة الثورة الثقافية «الماوية» المشهودة والثورة العلمية - التكنولوجية الراهنة. ومن حيث المساحة تقع الصين في المرتبة الثالثة عالمياً (10.500.000) مليون كيلومتر مربع تمتد من آسيا الوسطى غرباً إلى أقصى شرق آسيا وشمالها على شواطئ ثلاثة بحار كبرى هي بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي والبحر الأصفر.
وبينما تعتبر الصين من أغنى بلدان العالم بالمياه الجوفية، ومن أغناها، كذلك في الثروات النباتية والحيوانية والثروة الخشبية. والصين ليست معروفة ببحارها الثلاثة فقط، وإنما أيضاً بنهريها الأطول فــي العالم وهما: نهر اليانغتسي (6300) كم والنهر الأصفر (5464) كم.
ومن الجانب الثاني، باتت الصين اليوم واحدة من أكبر القوى العسكرية في العالم، سواء من حيث الإنتاج والتصدير العسكريين أم من حيث استيراد السلاح والميزانية العسكرية. فآلة الحرب الصينية هي، في معظمها، صناعة وطنية، وقد صارت تُساهم، بقسط كبير، في تكوين إجمالي الناتج القومي الصيني عبر تصدير التقانة والخبرات العسكرية إلى عدد كبير من بلدان آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.
وبينما بلغت ميزانية الدفاع في الصين لعام ألفين وسبعة نحو(80) مليار دولار، فإن وارداتها من السلاح، للعام نفسه، وصلت إلى (14%) من إجمالي واردات العالم منه، وهي، بذلك، قد غدت أكبر مستورد للسلاح في العالم، ودائماً حسب معطيات مراكز الأبحاث والدراسات الإستراتيجية المنشورة في كبرى العواصم المعنية. يُضاف إلى ذلك حقيقة أن الصين قوة نووية كبرى، ليس للأغراض السلمية، فقط، وإنما، كذلك، للأغراض العسكرية، فهي رابع قوة نووية عسكرية في العالم.
وعلى الجانب الثالث من المستوى الإستراتيجي أضحت الصين، مؤخراً، قوة عظمى حقيقية على خلفية نيلها عضوية «نادي الفضاء الدولي». فالصين اليوم هي اللاعب الثالث «الجديد» في النادي العتيد، إلى جانب اللاعبين المعروفين الأميركي والروسي، فلقد انطلقت الصين إلى الفضاء، بروّادها ومركباتها وخبراتها الوطنية، وليس بالمشاركة أو الاستعانة بالآخرين، بل تزامن مع إسقاطها قمراً أميركياً تجسسياً فوق أراضيها في شباط (2007) واعتراضها قمراً آخر في نيسان من العام نفسه. ناهيك عن امتلاك الصين عدداً كبيراً من الأقمار الصناعية، وكذلك مساهمتها، بكوادر بشرية وطاقات مادية وطنية، في الأبحاث والاختبارات الفضائية التي تُجريها وتُشرف عليها الجهات الدولية والمؤسسات المختصة.
ومن الجانب الرابع لمستوى القوة الإستراتيجي، تتمتع الصين (باعتبارها قوة اقتصادية كبيرة) بحضور حيوي وتأثير فعّال في اقتصادات، وبالتالي، سياسات البلدان الأخرى وخياراتها الكبرى البنيوية، فالمصالح الاقتصادية هي متن العلاقات الدولية وناظمها في ظل العولمة النيو ليبرالية. وحسب السوسيولوجي الكندي المعروف «جون صاول» في كتابه الهام «انهيار العولمة» فإن الصين، التي صدّرت، على مدى أربعين عاماً، الفكر «الماوي» إلى مختلف بلدان آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، تقوم اليوم، ومنذ وقت قريب، بـ«تصدير» نموذج فريد من التنمية في وقت سئمت فيه تلك البلدان نموذج التنمية الرأسماليــة المزعوم الذي «ألغى» الفقراء، وليس الفقر، بعد ستة عقود على انطلاقة العمل به من جانب البلدان الضحية.
وعلى حين تُؤكد المصادر المطلعة أن الصين قد تفوّقت، في الآونة الأخيرة، على الولايات المتحدة في حجم الرساميل المستثمرة في الخارج (نحو 180 مليار دولار)، فإن المصادر نفسها تُشير إلى أن حجم التبادل التجاري بين الصين ورابطة دول (آسيان) تجاوز الـ(80) مليار دولار لعام (2006)، وقد بلغ بينها وبين كل من البلدان الإفريقية نحو (60) مليار دولار ومع بلدان أميركا اللاتينية نحو (30) مليار دولار ومع الهند (20) مليار دولار للعام نفسه. يُضاف إلى ذلك حقيقة أن الصين غدت في مقدمة الدول المانحة للمساعدات المالية، معطوفاً عليها حقيقة أخرى لا تقل أهمية عنها، ومفادها، تبعاً للباحث الأميركي الكبير «بول كيندي»، أن الصين تتعهد ببناء مشاريع البنى التحتية في عدد كبير من بلدان القارتين الإفريقية وأميركا اللاتينية بكلفة زهيدة قدرها (25%) من كلفة بنائها من جانب الشركات الأميركية الرسمية منها أو الخاصة.
تلك هي أبرز مستويات وجوانب قوة الصين وطاقتها على إنجاز مشروعها كقطب عالمي جديد مرشّح لزعامة العالم عام ألفين وعشرين، بتوقيت المؤرخ وعالم الاجتماع البريطاني المعروف هامش ماكري. لكن، علينا أن نشير هنا إلى أن ثمة تحديات داخلية وخارجية كبيرة وخطيرة، في آن معاً، يجب على الصين قهرها شرطاً موضوعياً لإنجاز المشروع الوطني في بعده العالمي.
ولعل أخطر التحديات الداخلية هو النمو السكاني المرتفع، نسبياً، وكذلك التوزيع غير المتكافىء للخدمات والدخل أو الثروة الوطنية بين المناطق والأقاليم المترامية (31 مقاطعة و56 قومية). وبالتالي تبرز أمام الصين ضرورة اعتماد سياسات سكانية عقلانية تضبط معدل نمو السكان وتتحكم به ضمن الحدود التي تُبقي على الأيدي و(العقول) العاملة عنصراً من عناصر الإنتاج المتعددة، ناهيك عن ضرورة المضي في مشروع التنمية الوطنية تحت العنوان العريض نفسه (اشتراكية السوق)، بحيث لا يلتهم السوق جانب (الاشتراكية)، بالمعنى اللاتيني الأصيل للكلمة socialism (العدالة الاجتماعية) وليس بالمعنى (السوفييتي) المبتذل لها، شرطاً آخر للتنمية المتوازنة وتوزيع الإنتاجية بعدالة بين فئات السكان والمناطق المختلفة ما يحفظ وحدة الصين السياسية والجغرافية.
والتحدي الأميركي هو أخطر التحديات الخارجية للتنمية والقطبية الناشئة الصينية، فالأميركيون (تبعاً للاقتصادي الكبير سمير أمين)، يعتبرون أن الصين، بنموذجها التنموي (غير الرأسمالي) هي عدوّهم الرئيس الذي ينبغي تدميره يوماً ما إذا مضى بعيداً في مشروع التنمية والازدهار.
وما دام الكبر، من المنظور الأميركي، هو العلامة الفارقة لأميركا، وحدها دون سواها، فإن تفكيك الصين غاية أميركية. وبعد أن يدعو الصحافي الأميركي المقروء توماس فريدمان الإدارة الأميركية إلى اتخاذ سياسات اقتصادية عقابيـــة إزاء الصين، فهو يُشير (بالتوافق والتطابق مع إشارة نانسي بيلوسي) إلى أن الوقوف أمام صعود الصين سوف يكون قضية الديمقراطيين الأولى في حال وصولهم إلى البيت الأبيض. ويذهب فريدمان في هذا الصدد إلى حد تأكيد أن (أهم حدث في هذه الحقبة التاريخية ليس هجمات أيلول عام ألفين وواحد ولا احتلال أميركا لأفغانستان والعراق، وإنما هو نهوض الصين وبروزها كعملاق آسيوي كبير).
وفي مواجهة التحليق الصيني المذهل يدعو مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق (زبيجنيو بريجينسكي) إلى إعادة إنتاج العلاقات الأميركية - الأوروبية بالصورة التي تضمن الصمود في وجه ذلك الصعود، وبهذا المعنى يقول: (سوف تبتلعنا الصين إذا لم نُبادر إلى إحداث تعديلات جوهرية في خططنا ورؤانا الإستراتيجية، بحيث نعمل على تفعيل التحالف مع أوروبا الموحدة ( عوضاً عن تقسيمها إلى أوروبا قديمة وأخرى جديدة ) ونسعى، بجدّية، إلى منح ألمانيا العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي).
وبينما يرى رهط من الخبراء الإستراتيجيين وعلماء الاقتصاد البارزين أن حروب أميركا الأخيرة في البلقان وآسيا الوسطى والشرق الأوسط، وكذلك تشييد القواعد العسكرية في تلك المناطق (الرخوة) من بطن العالم، هي مجرد مقدّمات لوجستية ونقاط استناد إستراتيجية لحروب أميركية قادمة ضد كل من الصين وروسيا، وربما الهند، فإن زعيم الواقعية في السياسة الخارجية الأميركية (هنري كيسنجر) يدعو، بهذا الصدد، إلى التسليم بحقيقة مرّة باتت أمراً واقعاً لا مفر من الاعتراف به والتعاطي (العقلاني) معه، قائلاً: (اليوم، ينتقل مركز ثقل العالم من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي. والحال، علينا أن ندرك حقيقة صعود الصين لا أن نعمل على مواجهة صعودها، الذي بات حقيقة واقعة لا رجعة عنه. وبالتالي ليس ثمة بديل آخر (غير انتحاري) من الاعتراف بالصين قوة كبرى والعمل معها على هذا الأساس في سبيل بناء نظام عالمي جديد يُجنّبنا حروب إلغاء الآخرين التي، إن حصلت، ستكون كارثية).
فيصل سعد (دكتور في علم الاجتماع ومدرس سوسيولوجيا الإعلام في جامعة تشرين)
تفيد دروس التاريخ الحديث والمعاصر أن الأحادية القطبية هي الاستثناء الذي يُؤكد حقيقة التعددية القطبية كقاعدة تاريخية. ذلك أن آليات عمل النظام الذي يقوم على أحادية القطب هي من نوع الإكراه والعنف والاستئثار والتضليل، وليست من نوع الحوار والعدالة أو الندّية والديمقراطية. الأمر الذي يدفع، لاحقاً، إلى انفجار النظام الدولي، القائم في هذه المرحلة التاريخية أو تلك، وانهياره على نفسه تحت ثقل التناقضات التي يحبل بها على خلفية عنف منطقه البنيوي ودكتاتورية آليات عمله السياسي.
وبالنتيجة تبدأ مرحلة انتقالية تتبلور خلالها قوى أخرى وأقطاب حقيقية تُنهي نظام القطب الواحد بإنتاج مداخل تاريخية نحو نظام عالمي آخر بديل يقوم على قواعد العدالة والتعددية والديمقراطية، ودائماً بالمعايير التاريخية الجارية جريان التاريخ نفسه.
تلك هي القانونية التاريخية التي حكمت النظام الرأسمالي (كأول نظام عالمي في التاريخ البشري) منذ انطلاقته الأولى قبل خمسة قرون وحتى هذه الآونة، فمعاهدة وستفاليا (1648) سرعان ما أعلنت نهاية الهيمنة الهولندية، بعد فترة وجيزة من نشوئها، وأقرت التعددية القطبية: الإنكليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية، بينما أعاد مؤتمر فيينا (1815) التأكيد على توازن القوى القارية (الفرنسية والبروسية والنمساوية والروسية) بعد خلل اعتراه دفع بالهيمنة البريطانية إلى السطح، مؤقتاً ولزمن غير طويل. وقد أفصحت قمة الدول الثماني التي انعقدت في بطرسبورغ (2006) عن ولادة أقطاب أخرى جديدة تنمو بمعدلات غير مسبوقة في اتجاه اللحاق بالقطب الأميركي المُهيمن، وهي، بالضبط، تلك التي أشار إليها خطاب القمة للرئيس الروسي السابق بوتين: (روسيا- الصين- الهند- البرازيل، إلى جانب اليابان وألمانيا).
وبالفعل، تُشير الوقائع الملموسة، مدعومة بالأرقام والنسب المئوية، إلى حقيقة أن تلك البلدان هي مشاريع أقطاب عالمية، وقد غدا بعضها على مشارف إنجاز المشروع، والانتقال، بالتالي، من حالة مشروع قطب إلى حالة قطب حقيقي مُكافئ وندّي للقطب الأميركي ليس على مستوى واحد، وإنما على كل، أو معظم، مستويات القوة التي تتطلبها ظاهرة القطب، الاقتصادية منها والسياسية والإستراتيجية، تماماً كواقع الحال الذي كان قائماً بين العملاقين الأميركي والسوفييتي في ظل نظام الثنائية القطبية بين عامي (1945) و(1991).
ويبدو لي، احتكاماً لحقائق التاريخ المنطقية ومعطيات اللحظة التاريخية الراهنة وقرائنها المادية، أن الصين هي اليوم أقرب إلى ذلك الواقع وأسرع الأقطاب العالمية الأخرى الناشئة داخل مضمار السباق إلى تحدي القطب الأميركي ومنافسته على شغل كرسي زعامة العالم في ظل نظام عالمي متعدد الأقطاب جديد حقاً. وأُسجّل هنا حقيقة تاريخية أزعم أنها ضرورية لإضفاء بعض المصداقية على هذه الرؤية، ومفادها أن الانتقال من نظام تاريخي إلى آخر يتم انطلاقاً من بلدان أطرافه، التي ستغدو، لاحقاً، مراكز النظام الجديد أو عواصمه، وليس من بلدان مراكزه، التي تشغل أطراف أو محيط النظام الأخير. فالانتقال إلى النظام الرأسمالي لم ينطلق من مناطق الشرق الصيني والعربي (مراكز النظام الإقطاعي في حينه)، وإنما من مناطق أوروبا الطرفية الأقل تقدماً في الحين نفسه. وكذلك الأمر بالنسبة للانتقال إلى النظام الإقطاعي الذي حصل، بداية، من مناطق الهمج أو البربر المشاعية المتخلفة في أوروبا وليس انطلاقاً من أثينا وروما (مراكز النظام العبودي) الأكثر تطوراً في ذلك الحين التاريخي.
والحال فإن الصين اليوم (كمشروع قطب عالمي كبير) هي أكثر بلدان محيط النظام الرأسمالي منجزات فعل وطاقات قوة على اختراق جدار محيطه مدخلاً إستراتيجياً نحو نظام عالمي آخر جديد تشغل فيه أحد مراكزه أو مركز عاصمته. فعلى المستوى الاقتصادي غدت الصين القوة الاقتصادية الثالثة في العالم وفق التصنيفات الصادرة عن البنك الدولي أوائل العام ألفين وثمانية، وبينما وصل الفائض التجاري بين الصين والولايات المتحدة، لهذا العام، إلى مئتين وخمسين مليار دولار، لمصلحة الصين، فإن احتياطها من الدولار، للعام نفسه، قد بلغ نحو تريليون دولار. الأمر الذي انعكس، بصورة طبيعيــة، في زيادة الدخل الفردي للمواطن الصيني، وتعاظم القيمة الشرائية لليوان ( العملة الوطنية ) نتيجة ارتفاع سعر صرفه بالدولار.
ولا بأس أن نعرض هنا اللوحة الإحصائية التالية التي تعرض القوة الصينية على المستوى الاقتصادي بالأرقام والنسب المئوية: (بلغ إجمالي ناتج الصين القومي للعام الجاري (3.2) تريليونات دولار، وينمو الاقتصاد الصيني، على مدى السنوات الخمس الأخيرة، بمعدل نمو سنوي قدره (12%).
وقد غدت مدينة شنغهاي ثاني أكبر مدن «المال والأعمال» في العالم، فالصين اليوم هي أكبر بلد مُصدّر وثالث أكبر مستورد في العالم. وهي، علاوة على ذلك، البلد الأول، بامتياز، في إنتاج كل من أجهزة الاتصال المحمولة والكاميرات الرقمية والغسّالات وألعاب الأطفال الإلكترونية وأجهزة التلفزيون، وكذلك في إنتاج الحديد الخام والفحم والإسمنت والحبوب واللحوم والعسل و.. الخ). والصين من بلدان الطليعة في إنتاج الصناعات المعدنية الأساسية وآلات ومعدات النقل والصناعات البتروكيماوية الثقيلة وصناعة الإنشاءات الهندسية الضخمة، ناهيك عن تميّزها في صناعة كل من الطاقة النووية وطائرات النقل العملاقة. على هذا النحو، الموجز للغاية، تبدو الصين قوة اقتصادية هائلة، بالمقاييس العالمية للقوة، في عصر منطقه القوة لا قوة المنطق، فالمصالح الاقتصادية المتوحشة تلتهم المبادئ الأخلاقية في «غابة» العولمة الأميركية، بصورة غير مشهودة في تاريخ العلاقات الدولية.
وتتجلى القوة الصينية على المستوى السياسي بجملة من الحقائق الكبيرة، لعل أبرزها حقيقة أن الصين عضو دائم العضوية في مجلس الأمن الدولي يتمتع بحق النقض (veto) كما هو حال الأعضاء الآخرين دائمي العضوية تحت قبة المجلس العتيد، الأمر الذي يعني أن الصين جزء عضوي من القرار السياسي الدولي وأحد الرسامين الأساسيين لخريطة العالم السياسية. والدولة الصينية، كحقيقة سياسية ثانية، تُسيطر على علاقاتها الخارجية وتقودها في الاتجاه والشكل اللذين يدعمان تنميتها الوطنية ويحفظها، بعيداً عن التبعية.
والحقيقة السياسية الثالثة هي أن الأمة الصينية تعمل، حثيثة، على بناء وتوطيد وحدتها السياسية القومية، فقد عادت إلى الوطن الأم كل من هونغ كونغ عام (1997) وماكاو عام (1999) والتيبت سنة (2003)، وكذلك ولاية «براديش» في كشمير، وتبذل الصين قصارى جهدها لاستعادة تايوان كثروة علمية- تكنولوجية هائلة.
والصين، كمشروع قطب بنيوي جديد، هي نموذج لنظام عالمي آخر كخيار سياسي بديل من الخيار الرأسمالي لعموم المجتمع البشري، فالمشروع الصيني يقوم على منطق بنيوي فريد يجمع، على نحو جدلي، بين إيجابيات كل من المشروع السوفييتي المهزوم والمشروع الرأسمالي العولمي المأزوم تحت عنوان عريض هو «اشتراكية السوق»، بمعنى الإنتاج بآليات السوق الرأسمالية وتوزيع الإنتاجية بآليات الاشتراكية (أو العدالة الاجتماعية).
وعلى المستوى الإستراتيجي (بالمعنى الواسع للكلمة)، فقد أضحت الصين قوة عظمى أو «شبه عظمى» على هذا المستوى من القوة الضرورية لنشوء القطب وتبلوره.
وللقوة على المستوى الإستراتيجي أربعة جوانب أساسية هي جانب الرصيد البشري ومخزون الثروة الطبيعية - الجغرافية وكذلك الجانب العسكري والجانب الفضائي وجانب النفوذ الدولي، بمعيار الحضور اللوجستي الفاعل، والفعّال، خارج حدود الذات القومية. فمن الجانب الأول تعتبر الصين أكبر «كتلة بشرية» في العالم (23% من سكان الأرض) والصينيون ليسوا مجرد رقم إحصائي، وإنما كيف ونوع، أيضاً، نتيجة الثورة الثقافية «الماوية» المشهودة والثورة العلمية - التكنولوجية الراهنة. ومن حيث المساحة تقع الصين في المرتبة الثالثة عالمياً (10.500.000) مليون كيلومتر مربع تمتد من آسيا الوسطى غرباً إلى أقصى شرق آسيا وشمالها على شواطئ ثلاثة بحار كبرى هي بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي والبحر الأصفر.
وبينما تعتبر الصين من أغنى بلدان العالم بالمياه الجوفية، ومن أغناها، كذلك في الثروات النباتية والحيوانية والثروة الخشبية. والصين ليست معروفة ببحارها الثلاثة فقط، وإنما أيضاً بنهريها الأطول فــي العالم وهما: نهر اليانغتسي (6300) كم والنهر الأصفر (5464) كم.
ومن الجانب الثاني، باتت الصين اليوم واحدة من أكبر القوى العسكرية في العالم، سواء من حيث الإنتاج والتصدير العسكريين أم من حيث استيراد السلاح والميزانية العسكرية. فآلة الحرب الصينية هي، في معظمها، صناعة وطنية، وقد صارت تُساهم، بقسط كبير، في تكوين إجمالي الناتج القومي الصيني عبر تصدير التقانة والخبرات العسكرية إلى عدد كبير من بلدان آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.
وبينما بلغت ميزانية الدفاع في الصين لعام ألفين وسبعة نحو(80) مليار دولار، فإن وارداتها من السلاح، للعام نفسه، وصلت إلى (14%) من إجمالي واردات العالم منه، وهي، بذلك، قد غدت أكبر مستورد للسلاح في العالم، ودائماً حسب معطيات مراكز الأبحاث والدراسات الإستراتيجية المنشورة في كبرى العواصم المعنية. يُضاف إلى ذلك حقيقة أن الصين قوة نووية كبرى، ليس للأغراض السلمية، فقط، وإنما، كذلك، للأغراض العسكرية، فهي رابع قوة نووية عسكرية في العالم.
وعلى الجانب الثالث من المستوى الإستراتيجي أضحت الصين، مؤخراً، قوة عظمى حقيقية على خلفية نيلها عضوية «نادي الفضاء الدولي». فالصين اليوم هي اللاعب الثالث «الجديد» في النادي العتيد، إلى جانب اللاعبين المعروفين الأميركي والروسي، فلقد انطلقت الصين إلى الفضاء، بروّادها ومركباتها وخبراتها الوطنية، وليس بالمشاركة أو الاستعانة بالآخرين، بل تزامن مع إسقاطها قمراً أميركياً تجسسياً فوق أراضيها في شباط (2007) واعتراضها قمراً آخر في نيسان من العام نفسه. ناهيك عن امتلاك الصين عدداً كبيراً من الأقمار الصناعية، وكذلك مساهمتها، بكوادر بشرية وطاقات مادية وطنية، في الأبحاث والاختبارات الفضائية التي تُجريها وتُشرف عليها الجهات الدولية والمؤسسات المختصة.
ومن الجانب الرابع لمستوى القوة الإستراتيجي، تتمتع الصين (باعتبارها قوة اقتصادية كبيرة) بحضور حيوي وتأثير فعّال في اقتصادات، وبالتالي، سياسات البلدان الأخرى وخياراتها الكبرى البنيوية، فالمصالح الاقتصادية هي متن العلاقات الدولية وناظمها في ظل العولمة النيو ليبرالية. وحسب السوسيولوجي الكندي المعروف «جون صاول» في كتابه الهام «انهيار العولمة» فإن الصين، التي صدّرت، على مدى أربعين عاماً، الفكر «الماوي» إلى مختلف بلدان آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، تقوم اليوم، ومنذ وقت قريب، بـ«تصدير» نموذج فريد من التنمية في وقت سئمت فيه تلك البلدان نموذج التنمية الرأسماليــة المزعوم الذي «ألغى» الفقراء، وليس الفقر، بعد ستة عقود على انطلاقة العمل به من جانب البلدان الضحية.
وعلى حين تُؤكد المصادر المطلعة أن الصين قد تفوّقت، في الآونة الأخيرة، على الولايات المتحدة في حجم الرساميل المستثمرة في الخارج (نحو 180 مليار دولار)، فإن المصادر نفسها تُشير إلى أن حجم التبادل التجاري بين الصين ورابطة دول (آسيان) تجاوز الـ(80) مليار دولار لعام (2006)، وقد بلغ بينها وبين كل من البلدان الإفريقية نحو (60) مليار دولار ومع بلدان أميركا اللاتينية نحو (30) مليار دولار ومع الهند (20) مليار دولار للعام نفسه. يُضاف إلى ذلك حقيقة أن الصين غدت في مقدمة الدول المانحة للمساعدات المالية، معطوفاً عليها حقيقة أخرى لا تقل أهمية عنها، ومفادها، تبعاً للباحث الأميركي الكبير «بول كيندي»، أن الصين تتعهد ببناء مشاريع البنى التحتية في عدد كبير من بلدان القارتين الإفريقية وأميركا اللاتينية بكلفة زهيدة قدرها (25%) من كلفة بنائها من جانب الشركات الأميركية الرسمية منها أو الخاصة.
تلك هي أبرز مستويات وجوانب قوة الصين وطاقتها على إنجاز مشروعها كقطب عالمي جديد مرشّح لزعامة العالم عام ألفين وعشرين، بتوقيت المؤرخ وعالم الاجتماع البريطاني المعروف هامش ماكري. لكن، علينا أن نشير هنا إلى أن ثمة تحديات داخلية وخارجية كبيرة وخطيرة، في آن معاً، يجب على الصين قهرها شرطاً موضوعياً لإنجاز المشروع الوطني في بعده العالمي.
ولعل أخطر التحديات الداخلية هو النمو السكاني المرتفع، نسبياً، وكذلك التوزيع غير المتكافىء للخدمات والدخل أو الثروة الوطنية بين المناطق والأقاليم المترامية (31 مقاطعة و56 قومية). وبالتالي تبرز أمام الصين ضرورة اعتماد سياسات سكانية عقلانية تضبط معدل نمو السكان وتتحكم به ضمن الحدود التي تُبقي على الأيدي و(العقول) العاملة عنصراً من عناصر الإنتاج المتعددة، ناهيك عن ضرورة المضي في مشروع التنمية الوطنية تحت العنوان العريض نفسه (اشتراكية السوق)، بحيث لا يلتهم السوق جانب (الاشتراكية)، بالمعنى اللاتيني الأصيل للكلمة socialism (العدالة الاجتماعية) وليس بالمعنى (السوفييتي) المبتذل لها، شرطاً آخر للتنمية المتوازنة وتوزيع الإنتاجية بعدالة بين فئات السكان والمناطق المختلفة ما يحفظ وحدة الصين السياسية والجغرافية.
والتحدي الأميركي هو أخطر التحديات الخارجية للتنمية والقطبية الناشئة الصينية، فالأميركيون (تبعاً للاقتصادي الكبير سمير أمين)، يعتبرون أن الصين، بنموذجها التنموي (غير الرأسمالي) هي عدوّهم الرئيس الذي ينبغي تدميره يوماً ما إذا مضى بعيداً في مشروع التنمية والازدهار.
وما دام الكبر، من المنظور الأميركي، هو العلامة الفارقة لأميركا، وحدها دون سواها، فإن تفكيك الصين غاية أميركية. وبعد أن يدعو الصحافي الأميركي المقروء توماس فريدمان الإدارة الأميركية إلى اتخاذ سياسات اقتصادية عقابيـــة إزاء الصين، فهو يُشير (بالتوافق والتطابق مع إشارة نانسي بيلوسي) إلى أن الوقوف أمام صعود الصين سوف يكون قضية الديمقراطيين الأولى في حال وصولهم إلى البيت الأبيض. ويذهب فريدمان في هذا الصدد إلى حد تأكيد أن (أهم حدث في هذه الحقبة التاريخية ليس هجمات أيلول عام ألفين وواحد ولا احتلال أميركا لأفغانستان والعراق، وإنما هو نهوض الصين وبروزها كعملاق آسيوي كبير).
وفي مواجهة التحليق الصيني المذهل يدعو مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق (زبيجنيو بريجينسكي) إلى إعادة إنتاج العلاقات الأميركية - الأوروبية بالصورة التي تضمن الصمود في وجه ذلك الصعود، وبهذا المعنى يقول: (سوف تبتلعنا الصين إذا لم نُبادر إلى إحداث تعديلات جوهرية في خططنا ورؤانا الإستراتيجية، بحيث نعمل على تفعيل التحالف مع أوروبا الموحدة ( عوضاً عن تقسيمها إلى أوروبا قديمة وأخرى جديدة ) ونسعى، بجدّية، إلى منح ألمانيا العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي).
وبينما يرى رهط من الخبراء الإستراتيجيين وعلماء الاقتصاد البارزين أن حروب أميركا الأخيرة في البلقان وآسيا الوسطى والشرق الأوسط، وكذلك تشييد القواعد العسكرية في تلك المناطق (الرخوة) من بطن العالم، هي مجرد مقدّمات لوجستية ونقاط استناد إستراتيجية لحروب أميركية قادمة ضد كل من الصين وروسيا، وربما الهند، فإن زعيم الواقعية في السياسة الخارجية الأميركية (هنري كيسنجر) يدعو، بهذا الصدد، إلى التسليم بحقيقة مرّة باتت أمراً واقعاً لا مفر من الاعتراف به والتعاطي (العقلاني) معه، قائلاً: (اليوم، ينتقل مركز ثقل العالم من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي. والحال، علينا أن ندرك حقيقة صعود الصين لا أن نعمل على مواجهة صعودها، الذي بات حقيقة واقعة لا رجعة عنه. وبالتالي ليس ثمة بديل آخر (غير انتحاري) من الاعتراف بالصين قوة كبرى والعمل معها على هذا الأساس في سبيل بناء نظام عالمي جديد يُجنّبنا حروب إلغاء الآخرين التي، إن حصلت، ستكون كارثية).

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق