مجلة السياسة الدولية المصرية ـ كانون الثاني/ يناير2007ياسمين فاروق
اعترفت المجموعة الأوروبية بجمهورية الصين الشعبية فى عام 1975، إلا أن الاهتمام الأوروبي بالتقارب مع الصين أصبح واضحا بشكل خاص منذ النصف الثاني من التسعينيات، حينما أصدرت المفوضية الأوروبية فى عام 1995، ورقة استراتيجية تحدد فيها سياستها على المدى الطويل مع الصين. وقد ركزت هذه السياسة على الصعيد الدولي على دمج الصين في المجتمع الدولي كقوة دولية مسئولة، مع دمجها في الاقتصاد العالمي، وعلى الصعيد الداخلي على مساعدة الصين على التحول المؤسسي نحو دولة القانون و احترام حقوق الإنسان. كما أكدت هذه السياسة ضرورة تحسين صورة الاتحاد الأوروبي في الصين. وقد واصلت أوروبا توطيد علاقاتها مع الصين خلال الأعوام التالية، بدءا بتأسيس القمم السنوية الصينية - الأوروبية في عام 1998، وحتى توقيع الشراكة الشاملة بين الجانبين في عام 2001 . وبالرغم من أن الصين استجابت للدعوة الأوروبية للتقارب، إلا أن أول اعتراف صيني حقيقى بأهمية تلك العلاقات جاء في الوثيقة الاستراتيجية التي أصدرتها وزارة الخارجية الصينية في عام 2003، والتي أعلنت فيها الصين صراحة ' عدم وجود أي خلافات جوهرية بين الصين و أوروبا و أن كلا منهما لا تمثل أي تهديد للأخري'.
بالنظر إلى خريطة القوى العالمية، يمكن استخلاص عدة عوامل لعبت دورا مهما في ميل الاتحاد الأوروبي إلى فتح نوافذ جديدة للتعاون مع الصين. لقد أدى انهيار الاتحاد السوفيتي في حد ذاته إلى بروز الصين على الساحة الدولية كإحدى القوى الدولية القادرة على موازنة الخلل الذي تولده الهيمنة الأمريكية على النظام الدولى، مما يفسر مجموعة الاتفاقيات والشراكات المتعددة التي وقعتها المجموعة الأوروبية على مدى العقد الماضي مع الصين وروسيا. فمواقف كل من الصين وأوروبا تتناغم فيما يتعلق بتدعيم نظام دولي متعدد الأقطاب، واحترام دور المنظمات الدولية - خاصة الأمم المتحدة - في إدارة العلاقات الدولية مع رفض كليهما لمبدأ التدخل العسكري لحل النزاعات الدولية. وهذه النقطة الأخيرة هي نقطة الخلاف المركزية بين السياسة الأوروبية والسياسة الأمريكية. وتسعى أوروبا دائما إلى كسب تأييد الأطراف الدولية الأخرى فى هذا الصدد، حيث إنها غير قادرة وحدها على كبح جماح القوة العظمى الأمريكية.
زاد تطلع المجموعة الأوروبية إلى التعاون مع القوى الدولية المؤثرة إثر تبلور هيكل الاتحاد وسعيه إلى إثبات وجوده ككتلة فاعلة في العلاقات الدولية المعاصرة. فبالنسبة للأوروبيين، يسمح التقارب مع الصين بفتح باب الوجود الأوروبي في جنوب شرق آسيا، وهي منطقة تسيطر عليها الولايات المتحدة، ويتكثف وجودها فيها عسكريا وسياسيا واقتصاديا. كما أن دخول هذه المنطقة عبر البوابة الصينية يجنب الاتحاد الأوروبي غضب العملاق الصيني، ويؤمن حماية إقليمية لشبكة المصالح التي بدأ الاتحاد الأوروبي في تأسيسها هناك.
ولا تقل الصين أهمية بالنسبة للاتحاد الأوروبي على المستوى الاقتصادى منها على المستوى السياسي. فالجمهورية الشعبية هي ثالث قوة تجارية، وتمتلك ثاني أكبر ناتج محلى إجمالي على مستوى العالم، كما أن معدل النمو الاقتصادى للصين يبلغ نحو 7% سنويا منذ عدة سنوات، فهي أسرع الدول النامية تقدما في العالم وأكبرها. إلى جانب ذلك، تحوى الصين خمس سكان العالم، مما يضع سوق الاستهلاك الصينية - التي تعادل في حجمها السوق الأوروبية بكاملها - على رأس أولويات الصادرات الأوروبية. و من أهم مزايا الصين اقتصاديا وفرة الأيدي العاملة في كل المجالات، والانخفاض الحاد للأجور، مما يجعل سوق العمل في الصين 'جنة' الشركات متعددة الجنسيات، التي اتجهت كبرياتها إلى نقل خطوط الإنتاج إلى الصين. ويزيد من أهمية الصين الشعبية على خريطة الاقتصاد العالمي كونها أكبر شريك تجارى للولايات المتحدة الأمريكية، وأكبر دائن تجارى لأمريكا، حيث وصل حجم العجز التجاري الأمريكي في مواجهة الصين بنهاية عام 2005 إلى 200 مليار دولار أمريكي، مما يضع بين يدي الصين ورقة ضغط تجارى مهمة على أكبر اقتصاد في العالم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق