خاص ـ نشرة "الصين بعيون عربية"
محمد الحسيني
الاهتمام الصيني بقضايا العالم العربي ليس حديثاً، ولا يمكن تأريخه بفترة محددة، فهو يعود إلى أزمنة غابرة كان فيها طريق الحرير يحمل معه غلال الخير وأسفار الحضارة والثقافة. ولكن هذا الاهتمام لم يستقر في أطر سياسية، إلا خلال وبعد مؤتمر دول عدم الانحياز في باندونغ الذي عقد بأندونيسيا في العام 1956، حيث شكل هذا المؤتمر محطة أساسية للانطلاق في إرساء علاقات واضحة مع الدول العربية، والاهتمام بقضاياهم المركزية ولا سيما القضية الفلسطينية. لم يعلن عدد من الدول العربية الاعتراف بالصين الشعبية عند تأسيسها في العام 1949، خصوصاً تلك التي كانت مرتبطة باتفاقات اقتصادية وعسكرية مع الولايات المتحدة الأميركية، إلا أن الحضور المؤثر
للزعيم الصيني "ماو تسي تونغ" في مؤتمر باندونغ، والمباحثات التي أجراها مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر فتحت الطريق أمام علاقات صينية ـ عربية كاملة، خصوصاً بعد أن احتلت الصين الشعبية مكانها الطبيعي في المنظومة الدولية، سواء على مستوى التمثيل الدولي أو في اعتبارها أحد الدول الكبرى الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن.
أعلنت الصين تأييدها للقضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي كانت تمثل لب الأزمة في مسار الصراع العربي ـ الإسرائيلي، والتزمت هذا الموقف على الدوام وعملت على دعم الكفاح الفلسطيني المسلح، ولم تعترف بإسرائيل كدولة، وهاجمت الولايات المتحدة الأميركية باعتبارها الدولة الامبريالية التي تدعم سياسة التوسع والهيمنة في العالم. ولم تنطلق الصين في هذا الموقف من اعتبارات عقائدية فحسب، بل كان ذلك تعبيراً عن رؤية صينية عامة تحكم سياستها الخارجية، وتقضي باحترام الكيانات الداخلية للدول، ورفض الاحتلالات بكافة أشكالها، والتأكيد على حل المشاكل والأزمات الدولية بالطرق السلمية، بعيداً عن إخضاع الشعوب للإرادة الخارجية.
مرت العلاقة الصينية ـ العربية بمخاضات وتحوّلات عديدة، فرضها تطور الأحداث على المسرح العالمي، حيث دخلت الصين في معترك التجاذبات السياسية في منطقة الشرق الأوسط، ووجدت نفسها في موقع مستقل ومتباين سياسياً واقتصادياً بين الولايات المتحدة وأوروبا من جهة، وبين الاتحاد السوفياتي من جهة ثانية. ونجحت الصين في المحافظة على موقعها الفريد ضمن هذه المعادلة الضاغطة، من خلال اعتماد سياسة توازن مدروسة أخذت بعين الاعتبار المحافظة على النسيج الداخلي، وملاقاة الأطراف الخارجية الكبرى في المنعطفات الدبلوماسية الأساسية.
واجهت الصين تحديات كبيرة نتيجة حاجتها إلى تلبية متطلباتها الطبيعية على المستوى الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري، وهو ما فرض عليها التحول نحو سياسة خارجية جديدة، دون التخلي الحاد عن الثوابت التي التزمت بها طيلة سنوات حيال القضايا العربية، خصوصاً أن الولايات المتحدة فرضت عليها حصاراً محكماً مما شكل ضغوطاً مؤثرة دفعت الصين إلى اعتماد سياسة مرنة لكسر الحصار الأميركي مع عدم الانسياق وراء سياسة واشنطن.
ولا بد من الإشارة إلى أن السياسة الخارجية الصينية تأثرت إلى حد كبير بتحوّل المواقف العربية نفسها من القضية الفلسطينية، حيث نحا العرب باتجاه التسوية والدخول في مسار التفاوض والتخلي عن خيار الكفاح المسلح لتحرير الأراضي المحتلة، وهو ما ينسجم مع التوجه الأساسي للدبلوماسية الصينية، وهو ما عبّرت عنه عبر مواقفها في مجلس الأمن، وتأييدها للقرارات بهذا الشأن، دون أن نغفل رضوخ الصين أمام الضغوط الأميركية، بناء على معادلة التوازن في العلاقات الدولية، وتمثل بعدم مواجهة الولايات المتحدة في مجلس الأمن واستخدام حقها في استخدام قرار النقض (الفيتو)، ولجأت دائماً في هذه الحالة إلى الامتناع عن التصويت، أو العمل على إدخال تعديلات على القرار.
وعلى الرغم من كل التحولات التي طرأت على الموقف الصيني من القضية الفلسطينية، وإقامة الصين علاقات مع إسرائيل في العام 1992، إلا أن السياسة الخارجية للصين لا تزال تحجز لها مكاناً في المسرح الدولي، ومن المرجح أن يزداد هذا المكان ثباتاً مع تكريس موقع الصين ضمن معادلات الاستقرار العالمية، ولا سيما في المجالين السياسي والاقتصادي.
محمد الحسيني
الاهتمام الصيني بقضايا العالم العربي ليس حديثاً، ولا يمكن تأريخه بفترة محددة، فهو يعود إلى أزمنة غابرة كان فيها طريق الحرير يحمل معه غلال الخير وأسفار الحضارة والثقافة. ولكن هذا الاهتمام لم يستقر في أطر سياسية، إلا خلال وبعد مؤتمر دول عدم الانحياز في باندونغ الذي عقد بأندونيسيا في العام 1956، حيث شكل هذا المؤتمر محطة أساسية للانطلاق في إرساء علاقات واضحة مع الدول العربية، والاهتمام بقضاياهم المركزية ولا سيما القضية الفلسطينية. لم يعلن عدد من الدول العربية الاعتراف بالصين الشعبية عند تأسيسها في العام 1949، خصوصاً تلك التي كانت مرتبطة باتفاقات اقتصادية وعسكرية مع الولايات المتحدة الأميركية، إلا أن الحضور المؤثر
للزعيم الصيني "ماو تسي تونغ" في مؤتمر باندونغ، والمباحثات التي أجراها مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر فتحت الطريق أمام علاقات صينية ـ عربية كاملة، خصوصاً بعد أن احتلت الصين الشعبية مكانها الطبيعي في المنظومة الدولية، سواء على مستوى التمثيل الدولي أو في اعتبارها أحد الدول الكبرى الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن.
أعلنت الصين تأييدها للقضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي كانت تمثل لب الأزمة في مسار الصراع العربي ـ الإسرائيلي، والتزمت هذا الموقف على الدوام وعملت على دعم الكفاح الفلسطيني المسلح، ولم تعترف بإسرائيل كدولة، وهاجمت الولايات المتحدة الأميركية باعتبارها الدولة الامبريالية التي تدعم سياسة التوسع والهيمنة في العالم. ولم تنطلق الصين في هذا الموقف من اعتبارات عقائدية فحسب، بل كان ذلك تعبيراً عن رؤية صينية عامة تحكم سياستها الخارجية، وتقضي باحترام الكيانات الداخلية للدول، ورفض الاحتلالات بكافة أشكالها، والتأكيد على حل المشاكل والأزمات الدولية بالطرق السلمية، بعيداً عن إخضاع الشعوب للإرادة الخارجية.
مرت العلاقة الصينية ـ العربية بمخاضات وتحوّلات عديدة، فرضها تطور الأحداث على المسرح العالمي، حيث دخلت الصين في معترك التجاذبات السياسية في منطقة الشرق الأوسط، ووجدت نفسها في موقع مستقل ومتباين سياسياً واقتصادياً بين الولايات المتحدة وأوروبا من جهة، وبين الاتحاد السوفياتي من جهة ثانية. ونجحت الصين في المحافظة على موقعها الفريد ضمن هذه المعادلة الضاغطة، من خلال اعتماد سياسة توازن مدروسة أخذت بعين الاعتبار المحافظة على النسيج الداخلي، وملاقاة الأطراف الخارجية الكبرى في المنعطفات الدبلوماسية الأساسية.
واجهت الصين تحديات كبيرة نتيجة حاجتها إلى تلبية متطلباتها الطبيعية على المستوى الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري، وهو ما فرض عليها التحول نحو سياسة خارجية جديدة، دون التخلي الحاد عن الثوابت التي التزمت بها طيلة سنوات حيال القضايا العربية، خصوصاً أن الولايات المتحدة فرضت عليها حصاراً محكماً مما شكل ضغوطاً مؤثرة دفعت الصين إلى اعتماد سياسة مرنة لكسر الحصار الأميركي مع عدم الانسياق وراء سياسة واشنطن.
ولا بد من الإشارة إلى أن السياسة الخارجية الصينية تأثرت إلى حد كبير بتحوّل المواقف العربية نفسها من القضية الفلسطينية، حيث نحا العرب باتجاه التسوية والدخول في مسار التفاوض والتخلي عن خيار الكفاح المسلح لتحرير الأراضي المحتلة، وهو ما ينسجم مع التوجه الأساسي للدبلوماسية الصينية، وهو ما عبّرت عنه عبر مواقفها في مجلس الأمن، وتأييدها للقرارات بهذا الشأن، دون أن نغفل رضوخ الصين أمام الضغوط الأميركية، بناء على معادلة التوازن في العلاقات الدولية، وتمثل بعدم مواجهة الولايات المتحدة في مجلس الأمن واستخدام حقها في استخدام قرار النقض (الفيتو)، ولجأت دائماً في هذه الحالة إلى الامتناع عن التصويت، أو العمل على إدخال تعديلات على القرار.
وعلى الرغم من كل التحولات التي طرأت على الموقف الصيني من القضية الفلسطينية، وإقامة الصين علاقات مع إسرائيل في العام 1992، إلا أن السياسة الخارجية للصين لا تزال تحجز لها مكاناً في المسرح الدولي، ومن المرجح أن يزداد هذا المكان ثباتاً مع تكريس موقع الصين ضمن معادلات الاستقرار العالمية، ولا سيما في المجالين السياسي والاقتصادي.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق