دورية "ميدل إيست جيرنال" ـ ربيع (2007)
د. خالد إبراهيم بعباع
طوَّرت الصين علاقاتها ومركزها في الخليج العربي لمدة الـ(25) سنة الفائتة ، وتدل الظواهر على امتدادها ، في بعض الحالات بشكل دراماتيكي ، فعلاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية وبيع السلاح لدول تلك المنطقة باتت متينة ، ذلك يُمثل تطوراً مثالياً ويدل على نموه في المستقبل لحاجة الصين لنفط الخليج. كما أن تقدم مركز الصين الدولي وضَعها موقع الخلاف والاحتكاك الجدي مع واشنطن حول المنطقة.
أصبحت الصين حديثاً في احتياج زائد لنفط الشرق الأوسط حيث لا بديل لها في الوقت الراهن عن ذلك النفط ، خاصة وأن نفطها القومي مستغل حتى النهاية ، ولذا فاستيراد الصين للنفط سيتضاعف أربع مرات من عام (2003 - 2030) ، ومعظم هذه الزيادة الكبيرة ستكون من نفط الخليج العربي. كما أن أمن الطاقة بات يحظى باهتمام زائد وجزء من سياستها الخارجية ، حيث أن خطتها العاشرة الخمسية (2001 ـ 2005) تشير بوضوح ، وللمرة الأولى ، إلى أمن الطاقة حيث يُعرَّف هذا الأمن بتأمين استيراد النفط من الخارج لضمان استمرار التنمية الاقتصادية وتحديثها.
بخلاف الولايات المتحدة وإلى حدْ ما المملكة المتحدة وفرنسا وحتى روسيا ، لا يوجد للصين تاريخ احتلال أو السيطرة العسكرية على أية بقعة من المنطقة ، غير أن الصين أقامت قاعدة بحرية في "كوادار" ، باكستان ، ليست بعيدة عن بداية خليج هرمز ، والذي سيمكنها من مراقبة أية تحركات بحرية أمريكية وغيرها في الخليج والمحيط الهندي. غير أَن الصين تعتمد على واشنطن في تأمين امداداتها لعدم تمكنها من التغطية أمنياً لمسافة سبعة آلاف ميل من شنغاي إلى مضيق هرمز ، كما أن الصين تعتمد على علاقاتها الدبلوماسية في الخليج ، خاصة بعد تحللها العقائدي النسبي وسياستها في "الانفتاح والتحديث" ، وأصبحت السياسة الصينية في المنطقة تتماشى ومصالحها النفطية والاقتصادية حيث قوَّت علاقاتها مع جميع دول المنطقة ، كما تستغل الصين نفوذها في الأمم المتحدة وعلاقاتها مع فرنسا وروسيا الاتحادية ، وكذلك مع حلفاء واشنطن كإسرائيل ، بالإضافة لأعداء أميركا كإيران.
وعلى العموم ورغم أن الصين تركز في علاقاتها مع المنطقة على الشؤون الاقتصادية وبيع السلاح ، إلا أنها تحاول أيضاً أن يكون لها تأثير على الخريطة السياسية للإقليم كما في السنين الأخيرة.
يلاحظ تطور الدبلوماسية الصينية في علاقاتها الثنائية مع دول المنطقة ، فقد أنشأت الصين علاقات رسمية مع إيران عام (1970) ، وتمتَّنت هذه العلاقات في الثمانينات من القرن الماضي ، كما أنشأت الصين علاقات مع العراق عام (1985) وبقيت هذه العلاقات ضعيفة حتى منتصف العام (1975) ، ولأن الاتحاد السوفياتي الغابر أبدى اهتماماً ظاهراً في المنطقة ، فقد اهتمت الصين بشكل أقوى في العراق ببيعها السلاح. بالإضافة إلى إيران والعراق فقد أنشأت الصين علاقات مع دول الخليج كاتحاد الإمارات العربية عام (1984) والبحرين عام (1989) ، كما قامت العلاقات الدبلوماسية بين الصين والسعودية عام (1990) ، وامتدت هذه العلاقات في التسعينيات من القرن الماضي خاصة بعد توقيع اتفاقية الشراكة الإستراتيجية عام (1999).
لقد خشيت السعودية أنه إثر احتلال الولايات المتحدة للعراق عام (2003) فإن إطلاق حرية شيعة العراق من حكم الرئيس السابق صدام حسين قد يؤثر في السعودية لمحاولة إقامة الديمقراطية في المملكة بين مواطنيها الشيعة ، الذين يقطنون مناطق شاسعة من الأقاليم حيث يتركز النفط بكثرة. إلا أن السعودية أيقنت أن سياسة الصين الدبلوماسية الواقعية ، بخلاف سياسة الولايات المتحدة ، سوف لا تعمل على تغيير النظام السياسي السعودي وأسلوب الحياة في المملكة. لذا اهتمت السعودية بالصين ، ولو بطريقة غير مباشرة ، خاصة في الأمور التسويقية والسياسية.
أكثر من ذلك اعتقد الطرفان أن شراكتهما السياسية قد تساعد في تطويق نفوذ واشنطن في المنطقة ، مع العلم أن كليهما يتعاونان مع أميركا في الشؤون الاقتصادية والإستراتيجية.
مكاسب الصين الشعبية الدبلوماسية في المنطقة سهلت علاقات اقتصادية قوية مع دول الخليج العربي ، معظم ذلك بطبيعة الحال لحاجة الصين للطاقة ، حيث تسارعت تلك الحاجة في التسعينات من القرن الماضي مقارنة بحاجة أميركا وأوروبا ، وقد أصبحت السعودية المصدر الأول للنفط إلى الصين ، وفي عام (2005) صدرت المملكة للصين (17,5)% من احتياجاتها من هذا الذهب الأسود ، بينما صدرت إيران للصين في نفس العام (2005) ، (11,2)% من احتياجاتها للنفط ، وهاتان النسبتان ، بزيادة مطردة لكلا المصدًّرين ، خاصة السعودية إذ من المنتظر أن تستورد الصين (70%) من احتياجاتها النفطية في السنين القليلة القادمة.
من الناحية الأخرى فإن أميركا وأوروبا باتتا تعتمدان أقل على نفط الخليج العربي منذ التسعينات بشكل عام ، والسعودية بشكل خاص ، فمثلاً استوردت أميركا من السعودية عام (2005) ما قيمته (11,2)% من حاجتها بينما كانت النسبة (15,6)% عام (1994). كذلك أوروبا استوردت من السعودية عام (2005) (7,1)% من احتياجاتها النفطية بينما كانت النسبة عام (1994) (12,6)%. بيع الأسلحة كان جزءاً استراتيجياً هاماً من السياسة الصينية في المنطقة ، وذلك بدءا من الثمانينات من القرن المنصرم حيث رأت الصين في منطقتنا سوقاً كبيراً للسلاح ، خاصة مع بداية الحرب الإيرانية - العراقية ، حيث طورت الصين علاقات بهذا الخصوص مع العراق والسعودية ، وكذلك مع بعض دول الخليج الصغرى ، إلا أن علاقاتها مع إيران كانت أكثر تطوراً وأكثر خطراً من وجهة النظر الأميركية ، وقد اعتبرت إيران الصين في الثمانينات من القرن الماضي كحليف ضد موسكو وواشنطن ، وقد ازداد بيع الأسلحة الصينية بشكل بارز ليبلغ أكثر من (12) مليار دولار ، خاصة خلال الحرب العراقية - الإيرانية ، حيث زار الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني بكين ووقع معها اتفاقات لصنع الصواريخ المختلفة وكميات كبيرة من الأسلحة التقليدية وأسلحة الدمار الشامل والصواريخ البلاستيكية. هذا بالإضافة إلى صواريخ "سلكورم" والصواريخ المستعملة في البوارج الحربية ، كل ذلك خلق مشاكل جدية لواشنطن ، بما في ذلك العبور خلال مضيق هرمز ، حيث يبلغ عرض الخليج حوالي (34) ميلاً ، ويربط خليج عُمان ببحر العرب.
منذ التسعينات من القرن الماضي لم تكتف واشنطن بمناهضة بيع الأسلحة الصينية لإيران والعراق ، ولكنها اهتمت أيضاً بإيقاف الطموح الصيني عبر الخليج ، فقد قامت الكويت مثلاً إثر حرب الخليج عام (1991) بعقد اتفاقات أمنية مع الخمس دول التابعة لمجلس الأمن الدولي. موضوع تطوير السلاح النووي الإيراني وتخصيب اليورانيوم أَبرزت مشكلة خاصة للصين ، فالأخيرة ترغب بتطوير العلاقات لأسباب إستراتيجية واقتصادية ، لكن الصين في نفس الوقت لا تود أن تتأثر سلباً العلاقات الصينية - الأميركية.
العلاقات الصينية - الإيرانية الاقتصادية تتمركز أساساً حول تزويد إيران للصين بالنفط الخام ، والمعادن الإستراتيجية ، بينما تزود بكين طهران بالتكنولوجيا والمهارة الهندسية للصناعة الإيرانية ، وكذلك التعدين والمواصلات وصناعة البناء. لكن هذه العلاقات الاقتصادية مرتبطة بوثوق بالواقع السياسي والأهداف ، بمعنى أنه من المحتمل أن الصين وروسيا يجدان في إيران "شبه" حليف في عزمهما الوقوف لواشنطن كقوة دولية وذات نفوذ في الشرق الأوسط.
لقد مُنحت إيران في تموز (2005) وكذلك الهند وباكستان وضع "مراقب" في منظمة شنغاي للتعاون" ، وهذه المنظمة أمنية غرضها مقاومة الإرهاب والتطرف. لقد عملت إيران على الالتحاق بهذه المنظمة لتحسين علاقاتها مع الصين وربما لرفع ثقلها مع واشنطن بالرغم من أن الصين ، بينما تعمل على توثيق علاقات الطاقة مع طهران ، عارضت هذا التوجه الإيراني. وبينما العلاقات الصينية الاقتصادية والسياسية ممتازة مع إيران لتشجيع الأولى حماية الثانية ، إلا أن بكين تتردد وتحجم عن ذلك بسبب تنوع وأهمية العلاقات مع واشنطن وأهميتها للصين. هذا يدل أيضاً على عدم الاندفاع الصيني نحو علاقات أمتن مع دول الخليج العربي.
ومن ناحية المنافع والفوائد الصينية لعلاقاتها مع إيران فقد تركت تلك العلاقات في "حالة منفصمة" ، من ناحية فقد عارضت الصين الشعبية فرض عقوبات اقتصادية قوية على إيران وتتجه نحو تسوية النزاع عن طريق الحوار والمفاوضات ، في الوقت التي تتوقع إيران من الصين مواجهة الولايات المتحدة في مجلس الأمن ، إلا أن الصين لا توافق على ذلك وتقبل بتردد فكرة "تأديب" إيران ، وكذلك فإن تفسير الصين لفكرة "التأديب" تختلف عن الفكرة الأميركية ، مع أنه من المحتمل أن إصرار واشنطن على معاقبة إيران بشدة قد يلاقي قبولاً اضطرارياً من قبل الصين.
زبدة القول أن الصين الشعبية هي أبرز قوة عالمية للعلاقات الدولية لدول الخليج العربي ، وهذا بحد ذاته تطوراً له أهمية قصوى. فالصين قبل الحرب العالمية الأولى كانت موضعاً للتطلعات الإمبريالية الأوروبية ، فمنذ عام (1875) حتى انعطاف القرن سيطرت هذه الإمبريالية على ثلاثة أرباع العالم ، ولكن ومنذ الثمانينات من القرن الماضي باتت الصين تتطور كلاعب دولي وأحد أهم القوى في الخليج العربي ، خاصة بعد عام (2000) ، فبينما كان بيع السلاح للمنطقة عام (1980) يكاد لا يذكر ، تغير الوضع إلى الأفضل في الثمانينات والتسعينيات من القرن الفائت. كذلك ، وبينما كانت قدرة الصين لمواجهة التحركات الأميركية في المنطقة غير ذات أهمية ، تغيَّر الوضع عام (2000) ، وأصبح الشرق الأوسط ذا أهمية بالغة للصين ، وشاركت بطريقة وأخرى مع فرنسا وروسيا للتوصل إلى هذا الهدف.
سيبقى موضوع الصين والطاقة والشرق الأوسط وتبقى الصلة ببعض لوقت طويل ، ذلك لأن اعتماد الصين على نفط الخليج سيستمر ويزداد بتسارع في المستقبل ، وتبعاً لذلك تزداد وتتطور العلاقات الصينية الخليجية ، هذا الموقف يضع العلاقات الصينية - الأميركية في وضع المتوتر وربما الخطر ، ويمكن تجنب ذلك برأي الخبراء والدارسين باتخاذ عدة إجراءات منها :
(1) محاولة التقليل من الاعتماد على نفط الخليج خاصة وأن هنالك موضوع بيع الأسلحة وانتشارها والإرهاب.
(2) زيادة الاحتياط النفطي الصيني وأمن الطاقة. (3) انضمام الصين إلى "وكالة الطاقة الدولية" كإجراء لبناء الثقة بين جميع الأعضاء.
(4) اعتراف الصين وأميركا أنه في عالم متعولم فإن القضايا الإقليمية والدولية مرتبطة معاً ومتوافقة وليست منفصلة ، بما في ذلك قضايا الخليج العربي ، بالإضافة إلى أن حجم التجارة بين الصين والولايات المتحدة تعمل لمصلحة الصين ، الأمر الذي تحسب له أميركا كل الحساب.
(5) زيادة التعاون بين واشنطن وبكين في مجالات الكشف عن النفط وتطويره ، وتعاونهما في هذا المجال في منطقة الخليج والعراق.
(6) على الصين والولايات المتحدة مضاعفة حوارهما حول سياستهما المشتركة بشأن الطاقة ، وكذلك أمنها ، وزيادة الثقة بينهما ، وجعل هذا الحوار والاجتماعات "مؤسسيا" ، وعلى مستويات عالية ووضع أهداف محددة قصيرة الأجل.
مرة أخرى على الولايات المتحدة والصين أن تعملا أكثر لحماية مصالحهما النفطية وأمن هذا النفط لصالحهما وصالح العالم ، الفشل في ذلك سيضاعف من الخلافات بين الطرفين في شؤون أخرى ، ويمتد لعدم الاستقرار في المنطقة وربما بقية العالم.
د. خالد إبراهيم بعباع
طوَّرت الصين علاقاتها ومركزها في الخليج العربي لمدة الـ(25) سنة الفائتة ، وتدل الظواهر على امتدادها ، في بعض الحالات بشكل دراماتيكي ، فعلاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية وبيع السلاح لدول تلك المنطقة باتت متينة ، ذلك يُمثل تطوراً مثالياً ويدل على نموه في المستقبل لحاجة الصين لنفط الخليج. كما أن تقدم مركز الصين الدولي وضَعها موقع الخلاف والاحتكاك الجدي مع واشنطن حول المنطقة.
أصبحت الصين حديثاً في احتياج زائد لنفط الشرق الأوسط حيث لا بديل لها في الوقت الراهن عن ذلك النفط ، خاصة وأن نفطها القومي مستغل حتى النهاية ، ولذا فاستيراد الصين للنفط سيتضاعف أربع مرات من عام (2003 - 2030) ، ومعظم هذه الزيادة الكبيرة ستكون من نفط الخليج العربي. كما أن أمن الطاقة بات يحظى باهتمام زائد وجزء من سياستها الخارجية ، حيث أن خطتها العاشرة الخمسية (2001 ـ 2005) تشير بوضوح ، وللمرة الأولى ، إلى أمن الطاقة حيث يُعرَّف هذا الأمن بتأمين استيراد النفط من الخارج لضمان استمرار التنمية الاقتصادية وتحديثها.
بخلاف الولايات المتحدة وإلى حدْ ما المملكة المتحدة وفرنسا وحتى روسيا ، لا يوجد للصين تاريخ احتلال أو السيطرة العسكرية على أية بقعة من المنطقة ، غير أن الصين أقامت قاعدة بحرية في "كوادار" ، باكستان ، ليست بعيدة عن بداية خليج هرمز ، والذي سيمكنها من مراقبة أية تحركات بحرية أمريكية وغيرها في الخليج والمحيط الهندي. غير أَن الصين تعتمد على واشنطن في تأمين امداداتها لعدم تمكنها من التغطية أمنياً لمسافة سبعة آلاف ميل من شنغاي إلى مضيق هرمز ، كما أن الصين تعتمد على علاقاتها الدبلوماسية في الخليج ، خاصة بعد تحللها العقائدي النسبي وسياستها في "الانفتاح والتحديث" ، وأصبحت السياسة الصينية في المنطقة تتماشى ومصالحها النفطية والاقتصادية حيث قوَّت علاقاتها مع جميع دول المنطقة ، كما تستغل الصين نفوذها في الأمم المتحدة وعلاقاتها مع فرنسا وروسيا الاتحادية ، وكذلك مع حلفاء واشنطن كإسرائيل ، بالإضافة لأعداء أميركا كإيران.
وعلى العموم ورغم أن الصين تركز في علاقاتها مع المنطقة على الشؤون الاقتصادية وبيع السلاح ، إلا أنها تحاول أيضاً أن يكون لها تأثير على الخريطة السياسية للإقليم كما في السنين الأخيرة.
يلاحظ تطور الدبلوماسية الصينية في علاقاتها الثنائية مع دول المنطقة ، فقد أنشأت الصين علاقات رسمية مع إيران عام (1970) ، وتمتَّنت هذه العلاقات في الثمانينات من القرن الماضي ، كما أنشأت الصين علاقات مع العراق عام (1985) وبقيت هذه العلاقات ضعيفة حتى منتصف العام (1975) ، ولأن الاتحاد السوفياتي الغابر أبدى اهتماماً ظاهراً في المنطقة ، فقد اهتمت الصين بشكل أقوى في العراق ببيعها السلاح. بالإضافة إلى إيران والعراق فقد أنشأت الصين علاقات مع دول الخليج كاتحاد الإمارات العربية عام (1984) والبحرين عام (1989) ، كما قامت العلاقات الدبلوماسية بين الصين والسعودية عام (1990) ، وامتدت هذه العلاقات في التسعينيات من القرن الماضي خاصة بعد توقيع اتفاقية الشراكة الإستراتيجية عام (1999).
لقد خشيت السعودية أنه إثر احتلال الولايات المتحدة للعراق عام (2003) فإن إطلاق حرية شيعة العراق من حكم الرئيس السابق صدام حسين قد يؤثر في السعودية لمحاولة إقامة الديمقراطية في المملكة بين مواطنيها الشيعة ، الذين يقطنون مناطق شاسعة من الأقاليم حيث يتركز النفط بكثرة. إلا أن السعودية أيقنت أن سياسة الصين الدبلوماسية الواقعية ، بخلاف سياسة الولايات المتحدة ، سوف لا تعمل على تغيير النظام السياسي السعودي وأسلوب الحياة في المملكة. لذا اهتمت السعودية بالصين ، ولو بطريقة غير مباشرة ، خاصة في الأمور التسويقية والسياسية.
أكثر من ذلك اعتقد الطرفان أن شراكتهما السياسية قد تساعد في تطويق نفوذ واشنطن في المنطقة ، مع العلم أن كليهما يتعاونان مع أميركا في الشؤون الاقتصادية والإستراتيجية.
مكاسب الصين الشعبية الدبلوماسية في المنطقة سهلت علاقات اقتصادية قوية مع دول الخليج العربي ، معظم ذلك بطبيعة الحال لحاجة الصين للطاقة ، حيث تسارعت تلك الحاجة في التسعينات من القرن الماضي مقارنة بحاجة أميركا وأوروبا ، وقد أصبحت السعودية المصدر الأول للنفط إلى الصين ، وفي عام (2005) صدرت المملكة للصين (17,5)% من احتياجاتها من هذا الذهب الأسود ، بينما صدرت إيران للصين في نفس العام (2005) ، (11,2)% من احتياجاتها للنفط ، وهاتان النسبتان ، بزيادة مطردة لكلا المصدًّرين ، خاصة السعودية إذ من المنتظر أن تستورد الصين (70%) من احتياجاتها النفطية في السنين القليلة القادمة.
من الناحية الأخرى فإن أميركا وأوروبا باتتا تعتمدان أقل على نفط الخليج العربي منذ التسعينات بشكل عام ، والسعودية بشكل خاص ، فمثلاً استوردت أميركا من السعودية عام (2005) ما قيمته (11,2)% من حاجتها بينما كانت النسبة (15,6)% عام (1994). كذلك أوروبا استوردت من السعودية عام (2005) (7,1)% من احتياجاتها النفطية بينما كانت النسبة عام (1994) (12,6)%. بيع الأسلحة كان جزءاً استراتيجياً هاماً من السياسة الصينية في المنطقة ، وذلك بدءا من الثمانينات من القرن المنصرم حيث رأت الصين في منطقتنا سوقاً كبيراً للسلاح ، خاصة مع بداية الحرب الإيرانية - العراقية ، حيث طورت الصين علاقات بهذا الخصوص مع العراق والسعودية ، وكذلك مع بعض دول الخليج الصغرى ، إلا أن علاقاتها مع إيران كانت أكثر تطوراً وأكثر خطراً من وجهة النظر الأميركية ، وقد اعتبرت إيران الصين في الثمانينات من القرن الماضي كحليف ضد موسكو وواشنطن ، وقد ازداد بيع الأسلحة الصينية بشكل بارز ليبلغ أكثر من (12) مليار دولار ، خاصة خلال الحرب العراقية - الإيرانية ، حيث زار الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني بكين ووقع معها اتفاقات لصنع الصواريخ المختلفة وكميات كبيرة من الأسلحة التقليدية وأسلحة الدمار الشامل والصواريخ البلاستيكية. هذا بالإضافة إلى صواريخ "سلكورم" والصواريخ المستعملة في البوارج الحربية ، كل ذلك خلق مشاكل جدية لواشنطن ، بما في ذلك العبور خلال مضيق هرمز ، حيث يبلغ عرض الخليج حوالي (34) ميلاً ، ويربط خليج عُمان ببحر العرب.
منذ التسعينات من القرن الماضي لم تكتف واشنطن بمناهضة بيع الأسلحة الصينية لإيران والعراق ، ولكنها اهتمت أيضاً بإيقاف الطموح الصيني عبر الخليج ، فقد قامت الكويت مثلاً إثر حرب الخليج عام (1991) بعقد اتفاقات أمنية مع الخمس دول التابعة لمجلس الأمن الدولي. موضوع تطوير السلاح النووي الإيراني وتخصيب اليورانيوم أَبرزت مشكلة خاصة للصين ، فالأخيرة ترغب بتطوير العلاقات لأسباب إستراتيجية واقتصادية ، لكن الصين في نفس الوقت لا تود أن تتأثر سلباً العلاقات الصينية - الأميركية.
العلاقات الصينية - الإيرانية الاقتصادية تتمركز أساساً حول تزويد إيران للصين بالنفط الخام ، والمعادن الإستراتيجية ، بينما تزود بكين طهران بالتكنولوجيا والمهارة الهندسية للصناعة الإيرانية ، وكذلك التعدين والمواصلات وصناعة البناء. لكن هذه العلاقات الاقتصادية مرتبطة بوثوق بالواقع السياسي والأهداف ، بمعنى أنه من المحتمل أن الصين وروسيا يجدان في إيران "شبه" حليف في عزمهما الوقوف لواشنطن كقوة دولية وذات نفوذ في الشرق الأوسط.
لقد مُنحت إيران في تموز (2005) وكذلك الهند وباكستان وضع "مراقب" في منظمة شنغاي للتعاون" ، وهذه المنظمة أمنية غرضها مقاومة الإرهاب والتطرف. لقد عملت إيران على الالتحاق بهذه المنظمة لتحسين علاقاتها مع الصين وربما لرفع ثقلها مع واشنطن بالرغم من أن الصين ، بينما تعمل على توثيق علاقات الطاقة مع طهران ، عارضت هذا التوجه الإيراني. وبينما العلاقات الصينية الاقتصادية والسياسية ممتازة مع إيران لتشجيع الأولى حماية الثانية ، إلا أن بكين تتردد وتحجم عن ذلك بسبب تنوع وأهمية العلاقات مع واشنطن وأهميتها للصين. هذا يدل أيضاً على عدم الاندفاع الصيني نحو علاقات أمتن مع دول الخليج العربي.
ومن ناحية المنافع والفوائد الصينية لعلاقاتها مع إيران فقد تركت تلك العلاقات في "حالة منفصمة" ، من ناحية فقد عارضت الصين الشعبية فرض عقوبات اقتصادية قوية على إيران وتتجه نحو تسوية النزاع عن طريق الحوار والمفاوضات ، في الوقت التي تتوقع إيران من الصين مواجهة الولايات المتحدة في مجلس الأمن ، إلا أن الصين لا توافق على ذلك وتقبل بتردد فكرة "تأديب" إيران ، وكذلك فإن تفسير الصين لفكرة "التأديب" تختلف عن الفكرة الأميركية ، مع أنه من المحتمل أن إصرار واشنطن على معاقبة إيران بشدة قد يلاقي قبولاً اضطرارياً من قبل الصين.
زبدة القول أن الصين الشعبية هي أبرز قوة عالمية للعلاقات الدولية لدول الخليج العربي ، وهذا بحد ذاته تطوراً له أهمية قصوى. فالصين قبل الحرب العالمية الأولى كانت موضعاً للتطلعات الإمبريالية الأوروبية ، فمنذ عام (1875) حتى انعطاف القرن سيطرت هذه الإمبريالية على ثلاثة أرباع العالم ، ولكن ومنذ الثمانينات من القرن الماضي باتت الصين تتطور كلاعب دولي وأحد أهم القوى في الخليج العربي ، خاصة بعد عام (2000) ، فبينما كان بيع السلاح للمنطقة عام (1980) يكاد لا يذكر ، تغير الوضع إلى الأفضل في الثمانينات والتسعينيات من القرن الفائت. كذلك ، وبينما كانت قدرة الصين لمواجهة التحركات الأميركية في المنطقة غير ذات أهمية ، تغيَّر الوضع عام (2000) ، وأصبح الشرق الأوسط ذا أهمية بالغة للصين ، وشاركت بطريقة وأخرى مع فرنسا وروسيا للتوصل إلى هذا الهدف.
سيبقى موضوع الصين والطاقة والشرق الأوسط وتبقى الصلة ببعض لوقت طويل ، ذلك لأن اعتماد الصين على نفط الخليج سيستمر ويزداد بتسارع في المستقبل ، وتبعاً لذلك تزداد وتتطور العلاقات الصينية الخليجية ، هذا الموقف يضع العلاقات الصينية - الأميركية في وضع المتوتر وربما الخطر ، ويمكن تجنب ذلك برأي الخبراء والدارسين باتخاذ عدة إجراءات منها :
(1) محاولة التقليل من الاعتماد على نفط الخليج خاصة وأن هنالك موضوع بيع الأسلحة وانتشارها والإرهاب.
(2) زيادة الاحتياط النفطي الصيني وأمن الطاقة. (3) انضمام الصين إلى "وكالة الطاقة الدولية" كإجراء لبناء الثقة بين جميع الأعضاء.
(4) اعتراف الصين وأميركا أنه في عالم متعولم فإن القضايا الإقليمية والدولية مرتبطة معاً ومتوافقة وليست منفصلة ، بما في ذلك قضايا الخليج العربي ، بالإضافة إلى أن حجم التجارة بين الصين والولايات المتحدة تعمل لمصلحة الصين ، الأمر الذي تحسب له أميركا كل الحساب.
(5) زيادة التعاون بين واشنطن وبكين في مجالات الكشف عن النفط وتطويره ، وتعاونهما في هذا المجال في منطقة الخليج والعراق.
(6) على الصين والولايات المتحدة مضاعفة حوارهما حول سياستهما المشتركة بشأن الطاقة ، وكذلك أمنها ، وزيادة الثقة بينهما ، وجعل هذا الحوار والاجتماعات "مؤسسيا" ، وعلى مستويات عالية ووضع أهداف محددة قصيرة الأجل.
مرة أخرى على الولايات المتحدة والصين أن تعملا أكثر لحماية مصالحهما النفطية وأمن هذا النفط لصالحهما وصالح العالم ، الفشل في ذلك سيضاعف من الخلافات بين الطرفين في شؤون أخرى ، ويمتد لعدم الاستقرار في المنطقة وربما بقية العالم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق