صحيفة الدستور الأردنية
د. خالد إبراهيم بعباع
مرَّ حوالي ثلاثين عاماً على قيام الصين الشعبية "بالإصلاح" ، إلاّ أن البلاد تواجه تحدييين غير مسبوقين وهما بإيجاز: التعقيد والوهن ، واللذين سنأتي على تفاصيلهما في هذه الورقة.
حررت الصين أسواقها وانفتحت على التجارة الأجنبية والاستثمار ، وأصبحت دولة اقتصادية أممية ، إلا أن على الصين التعامل مع عدم الرضا فيما يتعلق بالحكومات المحلية ، وندرة الموارد الطبيعية ، ونظام مالي غير متطور ، وكذلك نظام صحي غير قادر ، وأرياف غير مستقرة ، وارتفاع نسبة عدم المساواة الاجتماعية. وبالرغم من أن معظم هذه الصعوبات تواجدت أثناء حقبة الإصلاح ، إلاّ أن الجديد الآن هو أن سرعة التغير متسارعة بينما قدرة الدولة السيطرة على ذلك التغير لا يتماشى وتلك السرعة.
حقيقة الأمر أن تسوية أي من هذه المشاكل ، بحد ذاتها ستكون عملاً شاقاً ، غير أنه يبدو وكأن على بكين التعامل مع هذه المسائل دفعة واحدة ، ذلك لأن الحكومة هي دولة ذات حزب واحد واشتراك الشعب فيها متدنْ ، فالنجاح في الغالب يعتمد على نشاط القيادة وأفكارها ، لأن الحكومة تجد من الصعوبة بمكان جلب وتطوير والاحتفاظ بالكفاءات: فخريجو الجامعات الكبيرة الصينية ، والتي كانت ستسد حاجة الحكومة ، يلجأون الآن إلى القطاع الخاص. وبينما الدولة تسنح بفرص كثيرة للموهوبين وأصحاب الكفاءات ، إلاّ أن إصلاح ثلاثة عقود بإصلاحات جديدة بات صعباً وعقيماً. كما أن التركيبة البيروقراطية لا تشجع المبادرة وتسارع في عدم الفاعلية.
أسوأ من ذلك فالكثير من الموظفين في القرى والحكومة المركزية يحفهم الفساد ، ويؤثر ذلك على فاعلية الحكومة ، ويغذي تنامي عدم الرضى من النظام. من بين كل التحديات التي تواجهها الدولة خلق قيادة قادرة وأمينة ملتزمة بخدمة العمل العام ومسؤولة أمام الشعب. وإذا ما عجزت الدولة عن إيجاد حل شافْ لهذا التحدي ، عبثاً تحاول الدولة مواجهة تحدياتها ووعودها لصين أكثر انتعاشاً وديمقراطية.
البيروقراطية المركزية الصينية ، وخلال تاريخ الصين المديد كانت دائماً تجلب الأفضل والأكثر ذكاءً ، فنظام الاختبار الإمبريالي كان دائماً لاختيار الأفضل للعمل في الحكومة ، خاصة إذا ما رافق ذلك الاتصالات الشخصية ومهارة سياسية مميزة. وبالرغم من أن النظام الشيوعي جاء للحكم عام 1949 وغيَّر الكثير في المجتمع ، إلا أنه أبقى على الاختبار الأفضل في البيروقراطية. غير أن ذلك تغيَّر الآن إذ لا يعتبر الطموحون من الصينيين أن وظيفة الحكومة هي الطريق الأفضل للنجاح ، كما أن الصينيين الذين سبق لهم العمل في القطاع الخاص ويحاولون إيجاد فرص أفضل لهم في الحكومة ، يجدون أن الباب مقفل أَمامهم.
يختار نظام التربية في الصين العقول النيرة ، أو الذين يتفوقون في الاختبارات ، ويبعث بهم إلى الجامعات ، ومعظم الطلاب يختارون المواضيع المفيدة لهم ، وليس بالضرورة التي تؤهلهم لوظائف حكومية ، فكثير من القادة يأتون من "جامعة سنجو - Tsinghua" المعروفة ، كما أن الكثير من طلابها يفضلون العمل في الشركات الخاصة ، وكثير من هؤلاء الذين يدخلون الخدمة العامة لا يبقون فيها كثيراً. وبعض وزراء الحكومة المركزية كوزارتي التجارة والخارجية تجلب عادة أفضل الخريجين.
عموماً فإن طلاب الجامعات وطنيون وكثير منهم يفضل العمل في الخارج ، ومع الشركات مختلطة الجنسيات ، كطريقة لإعداد أنفسهم إلى مستقبل أفضل في الخدمة العامة ، غير أن السلطة في الصين هي للمحترفة الدائمة ، حيث أن هنالك حاجزاً مانعاً بين من في النظام وخارجه. في التسعينات من القرن الماضي تواصل رئيس الوزراء آنئذْ (زورونجي) والعقول المنفتحة من الصينيين الذين يعملون في الخارج ودعاهم للخدمة في الحكومة ، وكانت تجارب العائدين عقيمة إذ كان عليهم التعامل مع الموظفين المتواجدين ، الذين اعتبروهم خطراً عليهم ، وبالتالي لم يوفقوا في أعمالهم ، ونتيجة لذلك تخلّى رئيس الوزراء عن فكرته.
إن نقص الكفاءات أدى إلى ضعف في مستوى الخدمة السفلى والتي تعتمد عليهم سياسات الإصلاح. وعليه فمعظم الأجانب الذين لهم مصالح في الصين لا يتعاملون مع موظفي الحكومة التي تقل درجتهم عن مدير عام ، أي ثلاث درجات أقل من الوزير. الصعوبة التي يواجهها العائدون هي ناحية واحدة من البيروقراطية الصينية ، أما الأخرى فإن الموظفين في المراكز العليا قد يطلب إليهم القيام بوظائف لا يتقنونها وليسوا (مهيأين) لها. ما يضاعف الأمر أن كثيرا من الموظفين السامين ينقلون من وظيفة إلى أخرى وبسرعة فائقة ، فموظف البنك مثلاً قد يفاجأ بنقله إلى وظيفة قيادية. هذا يدل إلى درجة ما على حاجة الدولة الماسة إلى الكفاءة ، وحاجة الرجل المناسب في المكان المناسب ، كما يحُد من فاعلية القيادة. لقد دلت دراسة صينية عام (2000) أن موظفي الحكومة يخشون عدم رضا مسؤوليهم أكثر من خدمة الشعب. بالرغم من هذه السلبيات في النظام فإن القيادة الحالية الصينية ، بتقدير موضوعي ، هي أكثر كفاءة من الزعامة التي قادت البلاد لحقبة تاريخية سابقة. ووفق صاحب فكر من كلية هاملتون "شينك لو" فإنه في عام (1982) كان تعليم أقل من عشرين (20) في المائة من زعماء الأقاليم أكثر من الدراسة الثانوية ، واليوم فإن أكثر من (97) في المائة من أمثال هؤلاء الزعماء يحملون شهادات متقدمة. كما أن القادة الكبار ، أي زعماء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي ، يتكونون من تسعة مهندسين تخرجوا من الجامعات الصينية المعروفة والمعاهد الفنية. حتى على الصعيد المحلي فليس غريباً على سكرتارية الحزب والحكام ورؤساء البلديات أن يكونوا من حاملي شهادة الدكتوراه.
التزاوج بين السلطة والمقدرة فكرة مثالية كونفوشية. ورغم أن الزعماء الحاليين ذوو تعليم أفضل من سابقيهم ، فذلك لا يعني أنهم أكثر قدرة ، فالكثير من الموظفين الأكفاء والأمناء الحاليين يعملون في الحكومة بدافعهم الوطني المسؤول ، وآخرون يعملون بدافع الرغبة في السلطة ، والنتيجة تفشي الفساد ، والغضب الشعبي مما يضع حداً للمقولة الصينية أن الزعماء "يقاسون أولاً ويأكلون أخيراً"،
احد مظاهر الفساد "بيع الوظائف" فوظيفة رئيس بلدية مثلاً تُكلّف حوالي ثمانماية ألف ين أو حوالي ماية ألف دولار. وفي قضية فساد واحدة أُدين فيها أكثر من (260) موظفا ، وأن المدعو "ماي دي" سكرتير الحزب في مدينة "سالحو" ، أُدين بتهمة الموت المخفف عام (2005) لقبول رشاوى بمبلغ (700) ألف دولار ، وذلك لبيعه وظائف حكومية ، وقد أعفي وزير الأراضي والموارد من منصبه لاشتراكه في عملية الفساد هذه. بالتالي فالموظفون الذين اشتروا وظائفهم يشعرون بضرورة استرداد "استثماراتهم" ، وإحدى هذه العمليات أن يقوموا أنفسهم بأخذ الرشاوى مما يضعف القيادة في كل النظام. لقد حاولت الحكومة والحزب في السنين الأخيرة اجتثاث هذا الفساد ، لذا ووفقاً للسيد "ي. فنج" الموظف السامي في الحزب (أو ما يعادل وزارة العدل) عام (2005) افتتح تحقيقاً لحوالي (41) ألف قضية فساد أدين فيها حوالي (75) في المائة ، لكن هذه القضايا وغيرها لا يبدو أن لها تأثيراً كافياً لأن الغضب الشعبي يستمر وينمو بسبب عدم الأمانة هذه ، حيث أنه في السنة الفائتة ، ووفقاً لأرقام الدولة نفسها ، كانت هنالك (ثمانون ألف) حالة احتجاج في طول البلاد وعرضها ، كما دل استفتاء لحركة مستقلة كبيرة غير حكومية باسم "هورايزن ريسيرش" ، على أن (43) في المائة من سكان المدن الصغيرة لا يثقون في حكومتهم المحلية. أكثر من ذلك فإن (ستين) في المائة من سكان المدن يثقون أن الحكومة لا تتمكن من حل هذه المشاكل حتى لو كانت هنالك شكاوى صاخبة من الشعب.
الخبراء والمحللون يعتقدون أن الرئيس الصيني "هوجنتاو" ورئيس الوزراء "ون جيباوى" يعرفون تماماً أهمية إغلاق الاختلاف بين ما تتطلبه الصين من زعمائها وما هو عليه الحال في البلاد. الرجلان اتخذا موقفين بهذا الخصوص. فمثلا وعام (2004) رئيس الوزراء "ون" أضاف فصلاً جديداً لتقريره السنوي لمجلس الشعب القومي يطلب من الأعضاء "أنه من الحتمي بناء كوكبة من موظفي الدولة الذين هم معتمدون سياسياً ، ومحترفون ونظفاء وأمناء ولهم كيان عمل جيد". وخلال جولة له في إقليم "فوجان" في كانون الثاني (2006) أَنذر الرئيس "هو" من تخفية المشاكل وتمريرها عن طريقة إرسال الشكاوى للحكومة الوطنية فقط ، وذكر الرئيس "هو" مثال وقع في كانون الأول 2005 في إقليم "جاجدونج" حيث فتحت الشرطة النار على الفلاحين الذين كانوا يحتجون للاستيلاء على أرضهم. كما نصح الرئيس "ون" أعضاء الحزب بضرورة "العيش ببساطة والعمل بجدية وتجنب الكماليات والفخفخة".
ومن الضروري الإضافة أن تواجد قطاع عام قادر يظل ضرورة لتوصل "هو" رئيس الدولة إلى أهدافه ، بما في ذلك توسيع اشتراك الشعب في الحكم. في زيارة له للولايات المتحدة خلال نيسان (2006) ذكر الرئيس "هو" أن الصين "ستستمر في إصلاح التركيبة السياسية وتطوير الديمقراطية الاشتراكية. والاشتراك الشعبي المنظم في الشؤون السياسية ، وينظم انتخابات ديمقراطية ، وديمقراطية في صنع القرار والإدارة والمراقبة وفقاً للقانون". لكن ما يحمله الرئيس "هو" في عقله ربما لا يعرف حقيقة حتى له أيضاً.
من بين الإجراءات التي ترغب الحكومة القيام بها كيفية إدارة مجالس الحزب وكيفية انتخاب الأعضاء وتأديبهم وإجراء محاسبة أكثر ، وليس من المستبعد كذلك أن يكون لعضوية الحزب المكونة من (سبعين) مليونا الحق في اختيار زعيم الحزب ، الذي هو أيضاً رئيس الصين. لكن تغييرات أكثر من ذلك ليست واقعية ، لأن الترتيب الراهن هو في مصلحة مَن في الحكم ، ولعدم المخاطرة بعدم الاستقرار والفوضى ، وفق ما يقول العارفون... يبدو أن التشجيع الشعبي للمشاركة والمحاسبة الرسمية عاملان ضروريان إذا كان للتحديث أن يتحقق في الصين ، وليس الاعتماد على التركيبة السياسية العليا ، لأن ذلك سيزيد من عدم الرضا الشعبي ضد قرارات الموظفين المحليين ، خاصة وأن المواطنين يشعرون بعدم الرضا لعدم المشاركة في صنعها. أخيراً ولأن حجم قادة الحكومة ومديريها الحالي في الصين لا يكفي لإتمام عملية الإصلاح المطلوبة ، فلا سبيل للحزب سوى كسر الحاجز بين القطاع العام والخاص ، والذي يحجب حرفاء موهوبين من الخدمة العامة ، وكذلك افتتاح القيادة لأعضاء جدد ، ذلك قد يُعين على تقدم الإصلاح وإيجاد سبيل ديناميكي لمستقبل ديمقراطي أفضل تلبية لرغبة شعبية صينية.
د. خالد إبراهيم بعباع
مرَّ حوالي ثلاثين عاماً على قيام الصين الشعبية "بالإصلاح" ، إلاّ أن البلاد تواجه تحدييين غير مسبوقين وهما بإيجاز: التعقيد والوهن ، واللذين سنأتي على تفاصيلهما في هذه الورقة.
حررت الصين أسواقها وانفتحت على التجارة الأجنبية والاستثمار ، وأصبحت دولة اقتصادية أممية ، إلا أن على الصين التعامل مع عدم الرضا فيما يتعلق بالحكومات المحلية ، وندرة الموارد الطبيعية ، ونظام مالي غير متطور ، وكذلك نظام صحي غير قادر ، وأرياف غير مستقرة ، وارتفاع نسبة عدم المساواة الاجتماعية. وبالرغم من أن معظم هذه الصعوبات تواجدت أثناء حقبة الإصلاح ، إلاّ أن الجديد الآن هو أن سرعة التغير متسارعة بينما قدرة الدولة السيطرة على ذلك التغير لا يتماشى وتلك السرعة.
حقيقة الأمر أن تسوية أي من هذه المشاكل ، بحد ذاتها ستكون عملاً شاقاً ، غير أنه يبدو وكأن على بكين التعامل مع هذه المسائل دفعة واحدة ، ذلك لأن الحكومة هي دولة ذات حزب واحد واشتراك الشعب فيها متدنْ ، فالنجاح في الغالب يعتمد على نشاط القيادة وأفكارها ، لأن الحكومة تجد من الصعوبة بمكان جلب وتطوير والاحتفاظ بالكفاءات: فخريجو الجامعات الكبيرة الصينية ، والتي كانت ستسد حاجة الحكومة ، يلجأون الآن إلى القطاع الخاص. وبينما الدولة تسنح بفرص كثيرة للموهوبين وأصحاب الكفاءات ، إلاّ أن إصلاح ثلاثة عقود بإصلاحات جديدة بات صعباً وعقيماً. كما أن التركيبة البيروقراطية لا تشجع المبادرة وتسارع في عدم الفاعلية.
أسوأ من ذلك فالكثير من الموظفين في القرى والحكومة المركزية يحفهم الفساد ، ويؤثر ذلك على فاعلية الحكومة ، ويغذي تنامي عدم الرضى من النظام. من بين كل التحديات التي تواجهها الدولة خلق قيادة قادرة وأمينة ملتزمة بخدمة العمل العام ومسؤولة أمام الشعب. وإذا ما عجزت الدولة عن إيجاد حل شافْ لهذا التحدي ، عبثاً تحاول الدولة مواجهة تحدياتها ووعودها لصين أكثر انتعاشاً وديمقراطية.
البيروقراطية المركزية الصينية ، وخلال تاريخ الصين المديد كانت دائماً تجلب الأفضل والأكثر ذكاءً ، فنظام الاختبار الإمبريالي كان دائماً لاختيار الأفضل للعمل في الحكومة ، خاصة إذا ما رافق ذلك الاتصالات الشخصية ومهارة سياسية مميزة. وبالرغم من أن النظام الشيوعي جاء للحكم عام 1949 وغيَّر الكثير في المجتمع ، إلا أنه أبقى على الاختبار الأفضل في البيروقراطية. غير أن ذلك تغيَّر الآن إذ لا يعتبر الطموحون من الصينيين أن وظيفة الحكومة هي الطريق الأفضل للنجاح ، كما أن الصينيين الذين سبق لهم العمل في القطاع الخاص ويحاولون إيجاد فرص أفضل لهم في الحكومة ، يجدون أن الباب مقفل أَمامهم.
يختار نظام التربية في الصين العقول النيرة ، أو الذين يتفوقون في الاختبارات ، ويبعث بهم إلى الجامعات ، ومعظم الطلاب يختارون المواضيع المفيدة لهم ، وليس بالضرورة التي تؤهلهم لوظائف حكومية ، فكثير من القادة يأتون من "جامعة سنجو - Tsinghua" المعروفة ، كما أن الكثير من طلابها يفضلون العمل في الشركات الخاصة ، وكثير من هؤلاء الذين يدخلون الخدمة العامة لا يبقون فيها كثيراً. وبعض وزراء الحكومة المركزية كوزارتي التجارة والخارجية تجلب عادة أفضل الخريجين.
عموماً فإن طلاب الجامعات وطنيون وكثير منهم يفضل العمل في الخارج ، ومع الشركات مختلطة الجنسيات ، كطريقة لإعداد أنفسهم إلى مستقبل أفضل في الخدمة العامة ، غير أن السلطة في الصين هي للمحترفة الدائمة ، حيث أن هنالك حاجزاً مانعاً بين من في النظام وخارجه. في التسعينات من القرن الماضي تواصل رئيس الوزراء آنئذْ (زورونجي) والعقول المنفتحة من الصينيين الذين يعملون في الخارج ودعاهم للخدمة في الحكومة ، وكانت تجارب العائدين عقيمة إذ كان عليهم التعامل مع الموظفين المتواجدين ، الذين اعتبروهم خطراً عليهم ، وبالتالي لم يوفقوا في أعمالهم ، ونتيجة لذلك تخلّى رئيس الوزراء عن فكرته.
إن نقص الكفاءات أدى إلى ضعف في مستوى الخدمة السفلى والتي تعتمد عليهم سياسات الإصلاح. وعليه فمعظم الأجانب الذين لهم مصالح في الصين لا يتعاملون مع موظفي الحكومة التي تقل درجتهم عن مدير عام ، أي ثلاث درجات أقل من الوزير. الصعوبة التي يواجهها العائدون هي ناحية واحدة من البيروقراطية الصينية ، أما الأخرى فإن الموظفين في المراكز العليا قد يطلب إليهم القيام بوظائف لا يتقنونها وليسوا (مهيأين) لها. ما يضاعف الأمر أن كثيرا من الموظفين السامين ينقلون من وظيفة إلى أخرى وبسرعة فائقة ، فموظف البنك مثلاً قد يفاجأ بنقله إلى وظيفة قيادية. هذا يدل إلى درجة ما على حاجة الدولة الماسة إلى الكفاءة ، وحاجة الرجل المناسب في المكان المناسب ، كما يحُد من فاعلية القيادة. لقد دلت دراسة صينية عام (2000) أن موظفي الحكومة يخشون عدم رضا مسؤوليهم أكثر من خدمة الشعب. بالرغم من هذه السلبيات في النظام فإن القيادة الحالية الصينية ، بتقدير موضوعي ، هي أكثر كفاءة من الزعامة التي قادت البلاد لحقبة تاريخية سابقة. ووفق صاحب فكر من كلية هاملتون "شينك لو" فإنه في عام (1982) كان تعليم أقل من عشرين (20) في المائة من زعماء الأقاليم أكثر من الدراسة الثانوية ، واليوم فإن أكثر من (97) في المائة من أمثال هؤلاء الزعماء يحملون شهادات متقدمة. كما أن القادة الكبار ، أي زعماء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي ، يتكونون من تسعة مهندسين تخرجوا من الجامعات الصينية المعروفة والمعاهد الفنية. حتى على الصعيد المحلي فليس غريباً على سكرتارية الحزب والحكام ورؤساء البلديات أن يكونوا من حاملي شهادة الدكتوراه.
التزاوج بين السلطة والمقدرة فكرة مثالية كونفوشية. ورغم أن الزعماء الحاليين ذوو تعليم أفضل من سابقيهم ، فذلك لا يعني أنهم أكثر قدرة ، فالكثير من الموظفين الأكفاء والأمناء الحاليين يعملون في الحكومة بدافعهم الوطني المسؤول ، وآخرون يعملون بدافع الرغبة في السلطة ، والنتيجة تفشي الفساد ، والغضب الشعبي مما يضع حداً للمقولة الصينية أن الزعماء "يقاسون أولاً ويأكلون أخيراً"،
احد مظاهر الفساد "بيع الوظائف" فوظيفة رئيس بلدية مثلاً تُكلّف حوالي ثمانماية ألف ين أو حوالي ماية ألف دولار. وفي قضية فساد واحدة أُدين فيها أكثر من (260) موظفا ، وأن المدعو "ماي دي" سكرتير الحزب في مدينة "سالحو" ، أُدين بتهمة الموت المخفف عام (2005) لقبول رشاوى بمبلغ (700) ألف دولار ، وذلك لبيعه وظائف حكومية ، وقد أعفي وزير الأراضي والموارد من منصبه لاشتراكه في عملية الفساد هذه. بالتالي فالموظفون الذين اشتروا وظائفهم يشعرون بضرورة استرداد "استثماراتهم" ، وإحدى هذه العمليات أن يقوموا أنفسهم بأخذ الرشاوى مما يضعف القيادة في كل النظام. لقد حاولت الحكومة والحزب في السنين الأخيرة اجتثاث هذا الفساد ، لذا ووفقاً للسيد "ي. فنج" الموظف السامي في الحزب (أو ما يعادل وزارة العدل) عام (2005) افتتح تحقيقاً لحوالي (41) ألف قضية فساد أدين فيها حوالي (75) في المائة ، لكن هذه القضايا وغيرها لا يبدو أن لها تأثيراً كافياً لأن الغضب الشعبي يستمر وينمو بسبب عدم الأمانة هذه ، حيث أنه في السنة الفائتة ، ووفقاً لأرقام الدولة نفسها ، كانت هنالك (ثمانون ألف) حالة احتجاج في طول البلاد وعرضها ، كما دل استفتاء لحركة مستقلة كبيرة غير حكومية باسم "هورايزن ريسيرش" ، على أن (43) في المائة من سكان المدن الصغيرة لا يثقون في حكومتهم المحلية. أكثر من ذلك فإن (ستين) في المائة من سكان المدن يثقون أن الحكومة لا تتمكن من حل هذه المشاكل حتى لو كانت هنالك شكاوى صاخبة من الشعب.
الخبراء والمحللون يعتقدون أن الرئيس الصيني "هوجنتاو" ورئيس الوزراء "ون جيباوى" يعرفون تماماً أهمية إغلاق الاختلاف بين ما تتطلبه الصين من زعمائها وما هو عليه الحال في البلاد. الرجلان اتخذا موقفين بهذا الخصوص. فمثلا وعام (2004) رئيس الوزراء "ون" أضاف فصلاً جديداً لتقريره السنوي لمجلس الشعب القومي يطلب من الأعضاء "أنه من الحتمي بناء كوكبة من موظفي الدولة الذين هم معتمدون سياسياً ، ومحترفون ونظفاء وأمناء ولهم كيان عمل جيد". وخلال جولة له في إقليم "فوجان" في كانون الثاني (2006) أَنذر الرئيس "هو" من تخفية المشاكل وتمريرها عن طريقة إرسال الشكاوى للحكومة الوطنية فقط ، وذكر الرئيس "هو" مثال وقع في كانون الأول 2005 في إقليم "جاجدونج" حيث فتحت الشرطة النار على الفلاحين الذين كانوا يحتجون للاستيلاء على أرضهم. كما نصح الرئيس "ون" أعضاء الحزب بضرورة "العيش ببساطة والعمل بجدية وتجنب الكماليات والفخفخة".
ومن الضروري الإضافة أن تواجد قطاع عام قادر يظل ضرورة لتوصل "هو" رئيس الدولة إلى أهدافه ، بما في ذلك توسيع اشتراك الشعب في الحكم. في زيارة له للولايات المتحدة خلال نيسان (2006) ذكر الرئيس "هو" أن الصين "ستستمر في إصلاح التركيبة السياسية وتطوير الديمقراطية الاشتراكية. والاشتراك الشعبي المنظم في الشؤون السياسية ، وينظم انتخابات ديمقراطية ، وديمقراطية في صنع القرار والإدارة والمراقبة وفقاً للقانون". لكن ما يحمله الرئيس "هو" في عقله ربما لا يعرف حقيقة حتى له أيضاً.
من بين الإجراءات التي ترغب الحكومة القيام بها كيفية إدارة مجالس الحزب وكيفية انتخاب الأعضاء وتأديبهم وإجراء محاسبة أكثر ، وليس من المستبعد كذلك أن يكون لعضوية الحزب المكونة من (سبعين) مليونا الحق في اختيار زعيم الحزب ، الذي هو أيضاً رئيس الصين. لكن تغييرات أكثر من ذلك ليست واقعية ، لأن الترتيب الراهن هو في مصلحة مَن في الحكم ، ولعدم المخاطرة بعدم الاستقرار والفوضى ، وفق ما يقول العارفون... يبدو أن التشجيع الشعبي للمشاركة والمحاسبة الرسمية عاملان ضروريان إذا كان للتحديث أن يتحقق في الصين ، وليس الاعتماد على التركيبة السياسية العليا ، لأن ذلك سيزيد من عدم الرضا الشعبي ضد قرارات الموظفين المحليين ، خاصة وأن المواطنين يشعرون بعدم الرضا لعدم المشاركة في صنعها. أخيراً ولأن حجم قادة الحكومة ومديريها الحالي في الصين لا يكفي لإتمام عملية الإصلاح المطلوبة ، فلا سبيل للحزب سوى كسر الحاجز بين القطاع العام والخاص ، والذي يحجب حرفاء موهوبين من الخدمة العامة ، وكذلك افتتاح القيادة لأعضاء جدد ، ذلك قد يُعين على تقدم الإصلاح وإيجاد سبيل ديناميكي لمستقبل ديمقراطي أفضل تلبية لرغبة شعبية صينية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق