الاثنين، 20 أغسطس 2007

سلام على الأرض حروب في السماء

صحيفة الخليج الإماراتية
سعد محيو
حرب خفية هي تلك التي تدور رحاها هذه الأيام بين الصين وأمريكا. “حرب سماوية”، إذا جاز التعبير.
قصة هذه الحرب بدأت قبل أشهر، حين نجحت الصين في تدمير أحد أقمارها الصناعية الخاصة بأحوال الطقس التي تدور حول الأرض بواسطة صاروخٍ بالستي. ومنذ ذلك الحين، تشن أجهزة الإعلام ومراكز الأبحاث الامريكية الحملات المتتالية على بكين، متهمة إياها بالإفادة من سلام العولمة الاقتصادية الذي تقوده الولايات المتحدة على الأرض، لتسهيل سيطرتها على الفضاء.
بالطبع، واشنطن محقة في نقطة واحدة: تطور القدرات التكنولوجية الفضائية الصينية، يمكن أن يهدد بالفعل الزعامة العسكرية الامريكية في العالم. فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار اعتماد أمريكا على قدراتها الفضائية في مجال الاتصالات، والتعرف إلى أرض المعركة العسكرية، واستهداف الأسلحة، وجمع المعلومات الاستخباراتية والاستطلاع، فإن إطلاق الصين للصواريخ المضادة للأقمار الصناعية، قد يعرض للخطر كل هذه القدرات.
لكن مهلاً. إذا ما كانت واشنطن محقة في قلقها، فهل هذا يعني أيضاً أنها محقة في سعيها للاستئثار بالسيطرة على تكنولوجيا الفضاء؟
هنا، ومع هذا السؤال سنتعثر بالكثير من الحقائق التي ستجعلنا نتطلع إلى السماء في كل حين، لمعرفة ما يجري على الأرض.
ففي العام 2001 اعتبرت لجنة الفضاء الأمريكية، حين كانت برئاسة دونالد رامسفيلد، أن الفضاء “أرض معارك مثله مثل الأرض والجو والبحار”. وفي أغسطس/ آب العام ،2002 كان مكتب الأركان المشتركة يعلن أن “على الولايات المتحدة أن تكون قادرة على حماية ممتلكاتها في الفضاء ومنع خصومها من استخدام ممتلكاتهم هناك”. وفي ،2004 أعلنت القوات الجوية الأمريكية أنها تعمل لضمان التفوق في الفضاء، مع توضيح أن هذا التفوق يعني “ضمان حرية الهجوم مع منع الآخرين من مهاجمتنا”. وفي يونيو/ حزيران 2006 قال جون موهانكو نائب مدير شؤون الأمن النووي في وزارة الخارجية الأمريكية “إن الولايات المتحدة تدرس احتمال وضع أسلحة في الفضاء لحماية أقمارنا الصناعية من هجمات مستقبلية محتملة، سواء من الأرض أو من سفن فضاء أخرى”.
ثم أخيراً في أغسطس/ آب من العام الماضي، وقّع الرئيس بوش وثيقة البرنامج الأمريكي للفضاء الذي يقول بوضوح: “أولئك الذين يستخدمون الفضاء، سيحصلون على رفاه وأمن إضافيين، وستكون لهم ميزة إضافية على الذين لم يتمكنوا من ذلك”. لكن الوثيقة تسارع إلى القول “إن حرية الحركة في الفضاء مهمة للولايات المتحدة مثل القوة الجوية والقوة البحرية”. فهل يعني هذا أن بإمكان الآخرين التمتع بالحق ذاته؟
كلا.
نقرأ في الوثيقة نفسها: “ترفض الولايات المتحدة أية مزاعم تتعلق بالسيادة من جانب أية دولة على الفضاء الخارجي أو على أية أجسام خارجية. كما ترفض وضع أية قيود على الحقوق الأساسية للولايات المتحدة في تشغيل والحصول على معلومات من الفضاء”. وهذا ما يمكن اعتباره تحذيرا صارماً للصين على وجه الخصوص، وأيضاً لروسيا، للابتعاد كلياً عن السماء. كما يعني أن الولايات المتحدة تعتبر أي تدخل في عمل أنظمتها في الفضاء انتهاكاً لحقوقها. بكلمات أخرى، تعتقد الولايات المتحدة أن الفضاء مثل أعالي البحار وأن من حقها اعتراض أية سفينة، مثلما تفعل مع السفن الكورية الشمالية التي تخضعها للتفتيش.
ماذا تعني كل هذه المعطيات؟
تعني أمراً واحداً: الصاروخ البالستي الصيني المضاد للأقمار الصناعية لم يكن هو سبب الحمى الفضائية الجديدة، بل نتيجتها. وهي نتيجة كانت تعمل عليها الولايات المتحدة جاهدة منذ سنوات. وحين تنتقل حرب النجوم غداً من خيالات استوديوهات هوليوود إلى مدارات الواقع حول الأرض، لن يجد الناس صعوبة في تحديد المسؤول الأول عن تحويل السلام على الأرض إلى حروب في السماء.

ليست هناك تعليقات: