السبت، 10 نوفمبر 2007

هل تضرب أمريكا إيران لتؤذي الصين؟

صحيفة الخليج الإماراتية
د. عصام نعمان
إذا كان الإسلام، ومن ضمنه إيران، العدو الاستراتيجي والثقافي لأمريكا فإن الصين، بالتأكيد، هي العدو الاقتصادي على المدى الطويل.
لأمريكا أسباب عدة لاستعداء إيران، ليس أقلها تطورها إلى قوة إقليمية مركزية تهدد مصالح العم سام النفطية في المنطقة، لكن هل من سبب لاستعداء الصين؟
نعم، يجيب خبراء الطاقة الدوليون، فالصين تنافس الولايات المتحدة على مصادر الطاقة في كل مكان. كبير الخبراء الأمريكيين الدوليين في صناعة النفط دانيال يرجين أكد أنه حتى العام 1993 كانت الصين مكتفية ذاتياً في النفط. منذ ذلك التاريخ تعاظم ناتجها المحلي القائم ثلاثة أضعاف وازداد طلبها على النفط بمقدار الضعفين. في العام 2005 استوردت الصين نحو 3 ملايين برميل من النفط يومياً، ما يشكّل سنويا نحو نصف استهلاكها الإجمالي منه. وبينما ينمو الطلب العالمي على النفط نحو 7 ملايين برميل يوميا منذ العام ،2000 فإن أكثر من مليوني برميل من هذا النمو اليومي ذهب إلى الصين.
باختصار، يقول يرجين إن الطلب على النفط عالميا في نموٍ متصاعد بالمقارنة مع العرض، فالاستهلاك اكبر بكثير من الإنتاج الآخذ بالتراجع. إن اقتصاد الصين متزايد النمو بمعدلات كبيرة، يبدو شرها للغاية ما يضطرها إلى منافسة الولايات المتحدة على النفط، لاسيما على نفط منطقة الخليج. ففي العام ،2020 ستستورد أمريكا 70 في المائة من نفطها، وكذلك ستفعل الصين، ما يعني ازدياد اعتمادها على مصادر النفط الخارجية، وتعرّض مستورداتها إلى مخاطر النقل البحري في المواقع الساخنة.
كبير الخبراء الاقتصاديين في وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول حذر هو الآخر من ارتفاع أسعار النفط وتهديدها نمو الاقتصاد العالمي. قال إن النمو المتسارع في شهية الصين والهند للطاقة، سيساعد في المستقبل المنظور على إبقاء أسعار النفط عالية ما يتسبّب بتباطؤ اقتصادي عالمي. وتنبأ بيرول بأن الطلب على النفط في الصين سيعادل في آخر المطاف مجمل العرض المتاح من السعودية. ينتج عن ذلك ان أسعار النفط، التي تتصاعد لتلامس المائة دولار للبرميل الواحد، قد ترتفع إلى مستويات أعلى بكثير مما جرى توقعه في الماضي. وعندما ترتقي الأسعار إلى هذه المستويات، فإن منتجي النفط، كما يقول كبير الخبراء لدى شركة بتروبراس البرازيلية جوزيه سرجيو دو غبرييلي، ستكون لديهم الحوافز لمطاردة وحيازة الأغلى بين تكنولوجيات الاستخراج من أجل إنتاج النفط من حجر السجّيل بكلفة 70 دولاراً للبرميل الواحد.
ثمة سببان إضافيان، يقول بيرول، لبقاء أسعار النفط عالية: الأول أن المستهلكين في الدول المتقدمة (أمريكا وأوروبا واليابان) راغبون على ما يبدو في تحمّل هذه الأسعار المرتفعة، بل في مواصلة دفعها، لأن بلدانهم أصبحت أكثر ازدهاراً وبحبوحة، والثاني، لأن استهلاك النفط في الدول النامية بقي قوياً لأن كثرةً بينها لجأت إلى دعم المستهلكين بتحمّل قسمٍ من التكلفة لإبقاء أسعار المبيع متدنية.
هل من سبيل إلى لجم الارتفاع المطرد في أسعار النفط؟ نعم، يقول بيرول، شريطة إيجاد مصادر بديلة للطاقة. إلى ذلك، فإن إنتاج سيارات أكثر اقتصاداً في استهلاك الوقود يساعد أيضا على خفض الطلب على النفط، وبالتالي يفضي إلى خفض السعر. في هذا المجال تبدو الصين أنجح من الولايات المتحدة في إنتاج سيارات اقتصادية، غير أن نهمها الهائل لإنتاج السيارات واستعمالها يبدد الوفر الحاصل في استهلاك الطاقة. صحيح أن 17 صينياً بين كل 1000 يملكون سيارة مقارنة مع 680 بين كل ألف في أوروبا و 860 في أمريكا، إلاّ أن الصينيين ابتاعوا، حسب بيرول، عدد السيارات نفسه الذي ابتاعه اليابانيون العام الماضي. ولن تمر خمس سنوات قبل أن يتمكن الصينيون من ابتياع العدد نفسه من السيارات الذي يبتاعه الأمريكيون سنوياً.
كل هذه المعلومات والإحصائيات تشير إلى أن نهم الصين للطاقة لا سقف له، وسوف يزيد من حدّة تنافسها مع الولايات المتحدة على مصادر الطاقة في العالم. وقد ينشأ عن ذلك كله صدام مصالح وصدام مسلح. هل يغيب عن ذهن النخبة القيادية في أمريكا أن اقتصاد الصين سيصبح في العام 2015 أكبر اقتصاد في العالم؟
لن يغيب ذلك بالتأكيد عن أذهان قادة أمريكا، كما لن يغيب عن أذهانهم دور إيران الكبير في سدّ حاجة الصين من النفط. إلى ذلك، فإن حاجة الصين النفطية ستلعب دوراً في لجم أمريكا عن ضرب إيران كي لا تتسبب في اضطراب مبكر في علاقاتها مع الصين أو، بالعكس، ستشجعها على ضرب إيران لقطع إمدادات النفط عن الصين ما يتسبب في الحدّ من نموها. فأي من الخيارين ستعتمد الولايات المتحدة؟
يقول الخبير العراقي البارز في شؤون الطاقة الدكتور وليد خدوري إن مخزون أمريكا التجاري من النفط يزيد على 1014 مليون برميل، بينما لا يقلّ مخزونها الاستراتيجي عن 1000 مليون برميل، مع العلم أن أمريكا تستهلك يوميا نحو 22 مليون برميل، تنتج منها ذاتيا نحو 9 ملايين برميل، وتستورد13 مليون برميل. ولا يزيد ما تستورده أمريكا من الدول العربية على 2،50 مليون برميل يومياً. معنى هذه الأرقام أن أمريكا بمقدورها إذا ما شنّت الحرب على إيران وانقطعت إمدادات النفط جرّاء إغلاق مضيق هرمز واحتمال تعطيل منشآت نفطية أخرى أن تستغني عن وارداتها من نفط الدول العربية باستعمال مخزونها التجاري والاستراتيجي مدةً لا تقل عن 26 شهراً. فهل تضرب أمريكا إيران لتؤذي الصين؟
ظاهر الحال يبدو مغرياً بشن الحرب، لكن مخاطر الإقدام على هذه الخطوة الجنونية تفوق بالتأكيد “المكاسب” التي يمكن أن تنجم عنها في رأي خدوري وغيره من اختصاصي النفط والاقتصاديين. أبرز المخاطر والعوامل الكابحة خمسة:
ربما تمتلك الصين مخزوناً استراتيجياً كافياً من النفط، يمكّنها من تجاوز مدة انقطاع إمداداته، لاسيما إذا كانت المدة قصيرة.
بإمكان الصين اللجوء إلى روسيا وغيرها من الدول المنتجة للنفط من اجل سدّ حاجتها.
بإمكان الصين وقف دعم المستهلكين المتمثّل بتحمّل قسم من كلفة الوقود، واللجوء إلى مصادر بديلة للنفط كالطاقة الشمسية والطاقة النووية.
وظّف مجاميع من رجال الأعمال والشركات الأمريكية نحو 60 مليار دولار في مشاريع استثمارية في الصين. ويخشى هؤلاء ان تؤدي الحرب وتداعياتها الى ارتفاع في أسعار النفط وبالتالي إلى تراجع معدّل النمو في الصين. ذلك كله قد يدفع الولايات المتحدة إلى الإحجام عن ضرب إيران لتفادي عواقب الضربة على استثمارات الأمريكيين في الصين.
إن مفاعيل وعواقب ضرب إيران وتعطيل تدفق إمدادات النفط لن يقتصر تأثيرها على الصين وحدها بل سينعكس بقسوة على الاقتصاد العالمي بأسره الأمر الذي يحدّ من إمكانية لجوء إدارة بوش إلى مغامرة حربٍ كارثية.
كل هذه الكوابح تبدو منطقية وفاعلة ولها وزنها وتأثيرها البالغ، ومع ذلك فإن أحداً لا يجرؤ على الجزم بأن جورج دبليو بوش لن يُقدم على مغامرة جنونية ضد إيران في النصف الأول من السنة المقبلة. لا أحد يجرؤ لأن لبوش ونائبه ديك تشيني وغيرهما من عصبة “المحافظين الجدد” حساباتهم الخاصة، بل إن أحداً لا يضمن ان يصاب بوش بإحدى نوباته اللاهوتية الدورية فيدّعي ان الله تعالى أوحى إليه بأن يفعل ما يريده تفكيره السادي المريض أن يفعل.

ليست هناك تعليقات: