مجلة السياسة الدولية المصرية
* د. محمد السيد سليم (أستاذ العلوم السياسية، جامعة القاهرة)
حظيت الصين بالاهتمام الأقدم والأشمل فى إطار الدراسات الأكاديمية الآسيوية فى مصر، كما تعد منظومة الدراسات الصينية فى مصر هى الأكثر تفصيلا وتقدما مقارنة بنظيراتها فى العالم العربى والشرق الأوسط وإفريقيا.
بدأ الاهتمام بدراسة الصين فى مصر قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية، وازداد هذا الاهتمام بشكل ملحوظ نتيجة لقيام الثورة الصينية فى عام 1949، ثم تبادل العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين فى عام 6591. وقد نشرت العديد من الكتب عن الصين فى مصر فى الفترة التى تلت الحرب العالمية الثانية، ولكنها كانت فى الأغلب تعبيرا عن محاولات فردية من مثقفين مصريين لفهم التجربة الثورية الصينية وتداعياتها فى الداخل والخارج.ولكن بعد نهاية الحرب الباردة، بدأت الدراسات عن الصين تأخذ الشكل المنهجى العلمى، مدفوعة بإنشاء عدد من المراكز الأكاديمية المتخصصة فى الدراسات الآسيوية، والتى أبدت اهتماما خاصا بدراسة الصين واللغة الصينية. ويمكننا القول إن مصر تمتلك اليوم الأعمدة الأساسية اللازمة لدراسة الصين، وهى مناهج تعليم اللغة الصينية، ومراكز البحث المتخصص فى مجال العلوم الاجتماعية، وحركة التأليف والترجمة. ولكن الملاحظ أن هذه الأعمدة تعمل فى شكل جزر منعزلة، وهناك غياب للمنهج المتكامل الذى يجمعها فى إطار لدراسة الصين من مختلف الزوايا.
نستعرض فى هذا البحث نشأة وتطور الدراسات الصينية فى مصر، وأهم القضايا التى ركزت عليها، ومدى اتساقها أو اختلافها مع الدراسات الصينية فى مناطق أخرى، بالإضافة إلى أهم المشكلات التى تواجه دراسة الصين فى مصر. ونحن نعرف الصين فى إطار هذا البحث بوصفها تشمل جمهورية الصين الشعبية، وتايوان، وهونج كونج، ومكاو.
ينقسم البحث إلى تسعة أقسام، يتناول الأول منها الموجة الأولى من الدراسات الصينية فى مصر ما بين عامى 1934 و 1949، يتبعه قسمان يتناولان الموجة الثانية فى الخمسينيات من القرن الماضى، والموجة الثالثة التى بدأت مع بداية الستينيات من ذلك القرن والمستمرة إلى الآن. وتتناول الأقسام التالية 'جزر' الدراسات الصينية فى مصر، والتى تتضمن ما نشر عن الصين فى الكتب والدوريات الأكاديمية والرسائل الجامعية، وإسهامات مركز الدراسات الآسيوية بجامعة القاهرة، بالإضافة إلى أقسام دراسة اللغة الصينية فى الجامعات المصرية. ويتناول القسم الأخير مستقبل الدراسات الأكاديمية عن الصين فى مصر.
(1) الموجة الأولى من الدراسات الصينية فى مصر: دور المسلمين الصينيين 1934 - 1949:
بدأت دراسة الصين فى مصر فى أوائل الثلاثينيات من القرن الماضى على يد المسلمين الصينيين الذين وفدوا إلى مصر فى ذلك الوقت لدراسة الإسلام فى جامعة الأزهر. وقد ألفوا وترجموا مجموعة من الكتب التى تتناول فى الأغلب الإسلام والمسلمين فى الصين. وكان أول كتاب صدر عن الصين فى مصر من تأليف محمد مكين، وهو صينى مسلم درس فى الأزهر لمدة عشر سنوات، وكان بعنوان نظرة جامعة على تاريخ الإسلام فى الصين وأحوال المسلمين فيها. وقد صدر الكتاب عام 1934 عن المطبعة السلفية، وهى دار نشر إسلامية كانت تعمل فى مصر فى ذلك الوقت. وفى عام 1935، نشر مكين كتابا آخر، صدر عن الدار نفسها، وكان عبارة عن ترجمة لكتاب كونفوشيوس 'الحوار'. وقد شجع ذلك المصريين على اقتحام مجال دراسة الصين. وكان أول كتاب مصرى على الإطلاق عن الصين من تأليف مصرى اسمه زكى حسن، وكان عنوان الكتاب الصين وفنون الإسلام، وصدر سنة 1491. وقد تزايد عدد المصريين المهتمين بدراسة الصين، حيث صدر فى عام 1939 كتاب مترجم بعنوان دور الحزب الشيوعى الصينى فى الحرب من تأليف ماوتسى تونج، ولكن اسم المترجم لم يذكر على الكتاب. كما نشرت فى عام 1942 ترجمة لكتاب من تأليف موريس لوبلان بعنوان اللغز الصينى، وقام بالترجمة محمد بدر الدين خليل. تلى ذلك نشر ترجمة لكتاب بعنوان الوعد .. صفحة من البطولات الخالدة فى الحرب الصينية من تأليف بيرل باك. وقد نشر الكتاب، الذى قام بترجمته شمس الدين الغيريانى، فى عام 5491.
وقد توالى اهتمام المسلمين الصينيين بدعم دراسة الإسلام فى الصين والعلاقات الصينية الإسلامية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. فصدر فى عام 1945 كتاب بعنوان الصين والإسلام عن دار الطباعة والنشر الإسلامية للإخوان المسلمين، من تأليف محمد تواضع، وهو صينى كان يدرس فى مصر بدعم من جماعة الإخوان المسلمين. كما صدر فى عام 1950، عن دار النهضة المصرية للطباعة والنشر، كتاب العلاقات بين العرب والصين من تأليف صينى مسلم آخر هو بدر الدين حى الصيني. ويبدو واضحا أن الصينيين المسلمين فى مصر قد لعبوا دورا مهما فى هذه المرحلة المبكرة من الكتابات عن الصين فى مصر، وأن محور الاهتمام كان هو التعريف بمسلمى الصين المسلمين.
(2) الموجة الثانية: 'تمصير' الدراسات الصينية فى مصر: 1950-1960 :
أعطت التغيرات الثورية التى وقعت فى الصين عام 1949، وتبادل العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين عام 1956، دفعة قوية للدراسات المصرية عن الصين، والتى أخذ معظمها شكل الكتب المؤلفة أو المترجمة. وقد وجدنا فى دار الكتب المصرية عشرين كتابا عن الصين تم نشرها فى هذه الفترة، منها أربعة عشر كتابا مؤلفا، وست ترجمات، تمثل الأساس الذى قامت عليه الدراسات الصينية فى مصر. وكانت معظم هذه الكتب بمثابة محاولات لفهم الصين الجديدة، ومنها ما كان يتضمن انطباعات لبعض الكتاب عن الصين بعد زيارات قاموا بها، مثل الكتابين الذين ألفهما حلمى مراد ومحمد عودة. ومن المهم أن نشير هنا إلى كتابين كان لهما تأثير بالغ على رؤية عدة أجيال من المصريين للصين. الكتاب الأول من تأليف الأستاذ عباس العقاد عن صن يات صن، والكتاب الثانى من تأليف الأستاذ محمد عودة، الماركسى المصرى، والذى زار الصين وضمن الكتاب انطباعاته عن الصين الجديدة بزعامة ماو، ولكن السياسة لم تكن المحور الرئيسى للكتاب. وتناولت أربعة مؤلفات أخرى أبعادا ثقافية وأدبية عن الصين. وفى سنة 1964 أصدر محمد محمود زيتون أول كتاب ألفه مصرى عن العلاقات العريية - الصينية باسم، الصين والعرب عبر التاريخ، وقد صدر عن دار المعارف.كما اتسمت هذه الحقبة بترجمات عربية عن اللغة الصينية لعل من أهمها الترجمة التى نشرها يوسف أحمد لكتاب بعنوان ماوتسى تونج، وترجمة أحمد بهى لكتاب بعنوان: القصة الحقيقية لأيكو، وقد صدر كلاهما سنة 1957، هذا بالاضافة الى ترجمات أخرى عن اللغة الانجليزية. وعموما قد صدر فى تلك الحقبة عشرون كتابا منها ستة كتب مترجمة، كما استمر صدور الكتب عن أحوال المسلمين فى الصين.
(3) الموجة الثالثة: ظهور 'الجزر المؤسسية' للدراسات الصينية فى مصر ( من سنة 1961 حتى الآن):
كان تبادل العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين عام 1956 علامة فارقة فى تاريخ الاهتمام بدراسة الصين فى مصر. كانت الصين فى ذلك الوقت تنظر إلى مصر بوصفها حليفا رئيسيا فى حملتها ضد الإمبريالية، وكان هناك اتفاق بين مواقف الدولتين تجاه العديد من القضايا الدولية والإقليمية. كما كانت مصر تنظر إلى الصين لتسهيل صفقاتها للسلاح مع الاتحاد السوفيتي. ولم تتأثر العلاقات المصرية الصينية بتغير القيادات السياسية فى البلدين خلال هذه الفترة، بل إن البلدين شهدا تغيرا متشابها فى توجهات سياساتهما الخارجية أثناء عقد السبعينيات من القرن الماضي.
بدأت دراسات اللغة الصينية فى مصر تزدهر بإنشاء قسم دراسة اللغة الصينية فى جامعة عين شمس، والذى تلاه إنشاء أقسام مشابهة فى جامعات مصرية أخري. كما كانت هناك زيادة ملحوظة فى عدد المؤلفات المنشورة عن الصين، وبدأت أعداد متزايدة من الخريجين فى اختيار الصين كموضوع لرسائلهم الجامعية لنيل درجة الماجستير أو الدكتوراه. وفى يوليو 1965، أصدرت مؤسسة الأهرام دورية 'السياسة الدولية'، التى أعطت اهتماما خاصا لدراسة الصين. كما تم إنشاء مركز الدراسات الآسيوية ومعهد الدراسات الآسيوية بعد نهاية الحرب الباردة، حيث أوليا أيضا اهتماما خاصا بدراسة الصين، ووسعا من إطار هذه الدراسة لتشمل العلاقات الصينية المصرية. ومن الواضح أنه ليس هناك مركز محدد معنى بدراسة الصين فى مصر فى إطار منهجى متكامل، بل إن الدراسات الصينية منقسمة بين الدراسات اللغوية الصرفة والدراسات الإقليمية الآسيوية. وبهذا، فهناك جزر منعزلة تدرس الصين فى مصر، وهو ما سنحاول أن نستعرضه هنا بغرض الوصول إلى خلاصات محددة تتعلق بمستقبل هذه الدراسات.
(4) الكتب المنشورة عن الصين فى مصر :
منذ عام 1960 وحتى الآن، نشر ما يقرب من أربعين كتابا فى مصر عن الصين، منها ما هو مؤلف وما هو مترجم، تتراوح موضوعاتها بين القضايا التاريخية والاجتماعية وتلك المتعلقة بالثقافة والأدب. ولا يتضمن هذا العدد الكتب التى تتناول نواحى تقنية صرفة مثل فنون الخزف، والطب الصينى، والرياضات الصينية، وما إلى ذلك.
وقد نشر أثناء عقد الستينيات من القرن الماضى وحده أربعة عشر كتابا عن الصين، مقارنة بتسعة كتب أثناء عقد السبعينيات، وأربعة كتب أثناء الثمانينيات، وسبعة كتب أثناء التسعينيات. وفى هذا العقد الأول من القرن الحادى والعشرين، تم نشر تسعة كتب عن الصين حتى الآن. وبذلك تعتبر الستينيات العقد الذهبى للاهتمام المصرى بدراسة الصين. وقد عكس الانخفاض الحاد فى عدد الكتب المنشورة عن الصين فى الثمانينيات التغيرات الداخلية، التى حدثت فى الصين، وانعزال الصين النسبى عن السياسة الدولية فى ذلك الوقت للتركيز على الشئون الداخلية. وبينما ارتفع الاهتمام نسبيا فى العقدين التاليين، إلا أنه لم يبلغ مستوى الاهتمام الذى كان عليه فى الستينيات.
كانت أغلب هذه الكتب من تأليف كتاب مصريين، حيث شكلت نسبة الكتب المترجمة عن اللغة الصينية أو اللغات الغربية نحو 27% فقط، مما يعنى أن غالبية الكتب كانت كتب ألفها باحثون مصريون. وقد تناول 32% من الكتب المنشورة عن الصين قضايا ثقافية تتعلق بالأدب والفكر الاجتماعى الصينى، بينما ركزت النسبة الباقية على القضايا المتعلقة بدراسات العلوم الاجتماعية. وتناولت نسبة 29% من هذه المجموعة الأخيرة قضايا داخلية تتعلق بالصين، مثل دور الحزب والثورة الثقافية والإصلاح الاقتصادى، بينما ركزت النسبة الباقية (71%) على العلاقات الخارجية للصين. وقد اهتم الكتاب المصريون بصفة خاصة بفهم دور الصين على المستوى العالمى، لما لهذا الدور من تداعيات مباشرة على الوضع فى منطقة الشرق الأوسط.
ومن المفيد أن نستعرض هنا بعض هذه الكتب الصادرة حديثا عن الصين للتعرف على تيارات الاهتمام المصرية الرئيسية فى هذا الصدد. فقد صدر فى عام 2006 عن دار الهلال كتاب للمفكر المصرى الدكتور أنور عبدالملك بعنوان الصين فى عيون المصريين، متضمنا سلسلة مقالات للمؤلف نشرت على امتداد عدة سنوات، يعبر فيها عن اعتقاده القوى بأن صعود الصين يصب فى مصلحة الدول النامية. وفى العام نفسه، صدر عن المجلس المصرى للشئون الخارجية كتاب بعنوان الصين فى القرن الحادى والعشرين، من تحرير د. السيد أمين شلبي. وتضمن الكتاب خلاصة مؤتمر عقده المجلس المصرى وشارك فيه خبراء من الصين، حيث ناقش علاقات الصين الخارجية وتداعيات الصعود الصينى على البلاد العربية. كما أصدر مركز الدراسات الآسيوية بجامعة القاهرة كتاب الصعود الصينى فى عام 2006، من تحرير د. هدى ميتكيس وخديجة عرفة عن مؤتمر عقده المركز عن الصعود الصيني. تضمن الكتاب احدى عشر فصلا تتناول الدعامات الأساسية للصعود الصينى واستراتيجياته وإنجازاته والعقبات التى تواجهه. وقد تناول الكتاب علاقة الصين بمنظمة التجارة العالمية، والسياسة الخارجية للصين والنظام العالمى الجديد، والعلاقات الصينية - الأمريكية، والصين والاتحاد الأوروبى، والتعاون الصينى - العربي.
(5) الصين فى الدوريات العلمية المصرية :
أظهرت الدوريات العلمية المعنية بدراسة العلوم الاجتماعية فى مصر اهتماما بدراسة الصين، خاصة دورية 'السياسة الدولية' التى تواصل صدورها منذ يوليو 1965 وحتى الآن. وتجمع 'السياسة الدولية' -التى أسسها د. بطرس بطرس غالى، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، وتولى رئاسة تحريرها منذ عام 1965 وحتى عام 1991- بين الدراسات الأكاديمية البحتة والدراسات السياسية ذات الطابع العملي. وقد اتضح اهتمام هذه الدورية بالصين منذ العدد الأول، الذى تضمن دراسة بقلم د. بطرس بطرس غالى تحت عنوان 'القنبلة النووية الصينية'. كما تضمن العددان الثانى والثالث دراستين عن الحزب الشيوعى الصينى بقلم الدكتور محمد الخطيب، الذى أصبح فيما بعد عميدا لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة. وما بين يوليو سنة 1965 وأبريل سنة 2007، نشرت المجلة 115 موضوعا عن الصين، ما بين دراسات وتقارير. وقد خصصت ملفات خاصة عن الصين فى أعداد يناير 1972، ويناير 1977، وأبريل 1998، ويوليو 1002. وتبدو درجة اهتمام المجلة زمنيا متسقة مع عدد الكتب الصادرة فى الفترات المختلفة عن الصين. فقد نشرت مجلة 'السياسة الدولية' فى الستينيات عشرة موضوعات عن الصين (وإن كان يجب لفت الانتباه إلى أن المجلة لم تصدر إلا فى عام 1965) بما يوازى 9.7% من اجمالى موضوعاتها، كما نشرت تسعة عشر موضوعا خلال السبعينيات (بنسبة 16.5%)، وتسعة عشر موضوعا خلال الثمانينيات بنسبة 16.5%. أما خلال التسعينيات، فتم نشر ثلاثة وثلاثين موضوعا بنسبة 28.7% من الموضوعات المنشورة عن الصين، مقابل أربعة وثلاثين موضوعا فى الفترة ما بين يناير 2000 وأبريل 2007 (بنسبة 29.7%). ومن المتوقع أن ترتفع نسبة الموضوعات المنشورة عن الصين فى المجلة بنهاية هذا العقد.
ويعكس ارتفاع نسبة المادة المنشورة عن الصين فى العقدين الماضى والحالى فى مجلة السياسة الدولية، الاهتمام المتزايد للباحثين المصريين بالصين، إذ إنه نشر خلال هذين العقدين 58.4% من الدراسات والتقارير الاجمالية التى نشرتها المجلة عن الصين منذ بدايتها. والحق أن السنوات السبع الأولى من القرن الحادى والعشرين شهدت صعودا واضحا فى الاهتمام المصرى بالصين، بفعل ماحققته الصين من صعود اقتصادى، ولبحث المصريين عن البدائل الدولية فى عصر الأحادية القطبية. كما يشير تحليل مضمون الموضوعات المنشورة فى 'السياسة الدولية'، إلى أن 71.3% من الدراسات والتقارير تناولت موضوعات تتعلق السياسة الخارجية الصينية، وهو الاتجاه نفسه الذى سبق أن أشرنا اليه عند حديثنا عن الكتب المنشورة عن الصين فى مصر خلال الفترة ذاتها.
* د. محمد السيد سليم (أستاذ العلوم السياسية، جامعة القاهرة)
حظيت الصين بالاهتمام الأقدم والأشمل فى إطار الدراسات الأكاديمية الآسيوية فى مصر، كما تعد منظومة الدراسات الصينية فى مصر هى الأكثر تفصيلا وتقدما مقارنة بنظيراتها فى العالم العربى والشرق الأوسط وإفريقيا.
بدأ الاهتمام بدراسة الصين فى مصر قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية، وازداد هذا الاهتمام بشكل ملحوظ نتيجة لقيام الثورة الصينية فى عام 1949، ثم تبادل العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين فى عام 6591. وقد نشرت العديد من الكتب عن الصين فى مصر فى الفترة التى تلت الحرب العالمية الثانية، ولكنها كانت فى الأغلب تعبيرا عن محاولات فردية من مثقفين مصريين لفهم التجربة الثورية الصينية وتداعياتها فى الداخل والخارج.ولكن بعد نهاية الحرب الباردة، بدأت الدراسات عن الصين تأخذ الشكل المنهجى العلمى، مدفوعة بإنشاء عدد من المراكز الأكاديمية المتخصصة فى الدراسات الآسيوية، والتى أبدت اهتماما خاصا بدراسة الصين واللغة الصينية. ويمكننا القول إن مصر تمتلك اليوم الأعمدة الأساسية اللازمة لدراسة الصين، وهى مناهج تعليم اللغة الصينية، ومراكز البحث المتخصص فى مجال العلوم الاجتماعية، وحركة التأليف والترجمة. ولكن الملاحظ أن هذه الأعمدة تعمل فى شكل جزر منعزلة، وهناك غياب للمنهج المتكامل الذى يجمعها فى إطار لدراسة الصين من مختلف الزوايا.
نستعرض فى هذا البحث نشأة وتطور الدراسات الصينية فى مصر، وأهم القضايا التى ركزت عليها، ومدى اتساقها أو اختلافها مع الدراسات الصينية فى مناطق أخرى، بالإضافة إلى أهم المشكلات التى تواجه دراسة الصين فى مصر. ونحن نعرف الصين فى إطار هذا البحث بوصفها تشمل جمهورية الصين الشعبية، وتايوان، وهونج كونج، ومكاو.
ينقسم البحث إلى تسعة أقسام، يتناول الأول منها الموجة الأولى من الدراسات الصينية فى مصر ما بين عامى 1934 و 1949، يتبعه قسمان يتناولان الموجة الثانية فى الخمسينيات من القرن الماضى، والموجة الثالثة التى بدأت مع بداية الستينيات من ذلك القرن والمستمرة إلى الآن. وتتناول الأقسام التالية 'جزر' الدراسات الصينية فى مصر، والتى تتضمن ما نشر عن الصين فى الكتب والدوريات الأكاديمية والرسائل الجامعية، وإسهامات مركز الدراسات الآسيوية بجامعة القاهرة، بالإضافة إلى أقسام دراسة اللغة الصينية فى الجامعات المصرية. ويتناول القسم الأخير مستقبل الدراسات الأكاديمية عن الصين فى مصر.
(1) الموجة الأولى من الدراسات الصينية فى مصر: دور المسلمين الصينيين 1934 - 1949:
بدأت دراسة الصين فى مصر فى أوائل الثلاثينيات من القرن الماضى على يد المسلمين الصينيين الذين وفدوا إلى مصر فى ذلك الوقت لدراسة الإسلام فى جامعة الأزهر. وقد ألفوا وترجموا مجموعة من الكتب التى تتناول فى الأغلب الإسلام والمسلمين فى الصين. وكان أول كتاب صدر عن الصين فى مصر من تأليف محمد مكين، وهو صينى مسلم درس فى الأزهر لمدة عشر سنوات، وكان بعنوان نظرة جامعة على تاريخ الإسلام فى الصين وأحوال المسلمين فيها. وقد صدر الكتاب عام 1934 عن المطبعة السلفية، وهى دار نشر إسلامية كانت تعمل فى مصر فى ذلك الوقت. وفى عام 1935، نشر مكين كتابا آخر، صدر عن الدار نفسها، وكان عبارة عن ترجمة لكتاب كونفوشيوس 'الحوار'. وقد شجع ذلك المصريين على اقتحام مجال دراسة الصين. وكان أول كتاب مصرى على الإطلاق عن الصين من تأليف مصرى اسمه زكى حسن، وكان عنوان الكتاب الصين وفنون الإسلام، وصدر سنة 1491. وقد تزايد عدد المصريين المهتمين بدراسة الصين، حيث صدر فى عام 1939 كتاب مترجم بعنوان دور الحزب الشيوعى الصينى فى الحرب من تأليف ماوتسى تونج، ولكن اسم المترجم لم يذكر على الكتاب. كما نشرت فى عام 1942 ترجمة لكتاب من تأليف موريس لوبلان بعنوان اللغز الصينى، وقام بالترجمة محمد بدر الدين خليل. تلى ذلك نشر ترجمة لكتاب بعنوان الوعد .. صفحة من البطولات الخالدة فى الحرب الصينية من تأليف بيرل باك. وقد نشر الكتاب، الذى قام بترجمته شمس الدين الغيريانى، فى عام 5491.
وقد توالى اهتمام المسلمين الصينيين بدعم دراسة الإسلام فى الصين والعلاقات الصينية الإسلامية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. فصدر فى عام 1945 كتاب بعنوان الصين والإسلام عن دار الطباعة والنشر الإسلامية للإخوان المسلمين، من تأليف محمد تواضع، وهو صينى كان يدرس فى مصر بدعم من جماعة الإخوان المسلمين. كما صدر فى عام 1950، عن دار النهضة المصرية للطباعة والنشر، كتاب العلاقات بين العرب والصين من تأليف صينى مسلم آخر هو بدر الدين حى الصيني. ويبدو واضحا أن الصينيين المسلمين فى مصر قد لعبوا دورا مهما فى هذه المرحلة المبكرة من الكتابات عن الصين فى مصر، وأن محور الاهتمام كان هو التعريف بمسلمى الصين المسلمين.
(2) الموجة الثانية: 'تمصير' الدراسات الصينية فى مصر: 1950-1960 :
أعطت التغيرات الثورية التى وقعت فى الصين عام 1949، وتبادل العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين عام 1956، دفعة قوية للدراسات المصرية عن الصين، والتى أخذ معظمها شكل الكتب المؤلفة أو المترجمة. وقد وجدنا فى دار الكتب المصرية عشرين كتابا عن الصين تم نشرها فى هذه الفترة، منها أربعة عشر كتابا مؤلفا، وست ترجمات، تمثل الأساس الذى قامت عليه الدراسات الصينية فى مصر. وكانت معظم هذه الكتب بمثابة محاولات لفهم الصين الجديدة، ومنها ما كان يتضمن انطباعات لبعض الكتاب عن الصين بعد زيارات قاموا بها، مثل الكتابين الذين ألفهما حلمى مراد ومحمد عودة. ومن المهم أن نشير هنا إلى كتابين كان لهما تأثير بالغ على رؤية عدة أجيال من المصريين للصين. الكتاب الأول من تأليف الأستاذ عباس العقاد عن صن يات صن، والكتاب الثانى من تأليف الأستاذ محمد عودة، الماركسى المصرى، والذى زار الصين وضمن الكتاب انطباعاته عن الصين الجديدة بزعامة ماو، ولكن السياسة لم تكن المحور الرئيسى للكتاب. وتناولت أربعة مؤلفات أخرى أبعادا ثقافية وأدبية عن الصين. وفى سنة 1964 أصدر محمد محمود زيتون أول كتاب ألفه مصرى عن العلاقات العريية - الصينية باسم، الصين والعرب عبر التاريخ، وقد صدر عن دار المعارف.كما اتسمت هذه الحقبة بترجمات عربية عن اللغة الصينية لعل من أهمها الترجمة التى نشرها يوسف أحمد لكتاب بعنوان ماوتسى تونج، وترجمة أحمد بهى لكتاب بعنوان: القصة الحقيقية لأيكو، وقد صدر كلاهما سنة 1957، هذا بالاضافة الى ترجمات أخرى عن اللغة الانجليزية. وعموما قد صدر فى تلك الحقبة عشرون كتابا منها ستة كتب مترجمة، كما استمر صدور الكتب عن أحوال المسلمين فى الصين.
(3) الموجة الثالثة: ظهور 'الجزر المؤسسية' للدراسات الصينية فى مصر ( من سنة 1961 حتى الآن):
كان تبادل العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين عام 1956 علامة فارقة فى تاريخ الاهتمام بدراسة الصين فى مصر. كانت الصين فى ذلك الوقت تنظر إلى مصر بوصفها حليفا رئيسيا فى حملتها ضد الإمبريالية، وكان هناك اتفاق بين مواقف الدولتين تجاه العديد من القضايا الدولية والإقليمية. كما كانت مصر تنظر إلى الصين لتسهيل صفقاتها للسلاح مع الاتحاد السوفيتي. ولم تتأثر العلاقات المصرية الصينية بتغير القيادات السياسية فى البلدين خلال هذه الفترة، بل إن البلدين شهدا تغيرا متشابها فى توجهات سياساتهما الخارجية أثناء عقد السبعينيات من القرن الماضي.
بدأت دراسات اللغة الصينية فى مصر تزدهر بإنشاء قسم دراسة اللغة الصينية فى جامعة عين شمس، والذى تلاه إنشاء أقسام مشابهة فى جامعات مصرية أخري. كما كانت هناك زيادة ملحوظة فى عدد المؤلفات المنشورة عن الصين، وبدأت أعداد متزايدة من الخريجين فى اختيار الصين كموضوع لرسائلهم الجامعية لنيل درجة الماجستير أو الدكتوراه. وفى يوليو 1965، أصدرت مؤسسة الأهرام دورية 'السياسة الدولية'، التى أعطت اهتماما خاصا لدراسة الصين. كما تم إنشاء مركز الدراسات الآسيوية ومعهد الدراسات الآسيوية بعد نهاية الحرب الباردة، حيث أوليا أيضا اهتماما خاصا بدراسة الصين، ووسعا من إطار هذه الدراسة لتشمل العلاقات الصينية المصرية. ومن الواضح أنه ليس هناك مركز محدد معنى بدراسة الصين فى مصر فى إطار منهجى متكامل، بل إن الدراسات الصينية منقسمة بين الدراسات اللغوية الصرفة والدراسات الإقليمية الآسيوية. وبهذا، فهناك جزر منعزلة تدرس الصين فى مصر، وهو ما سنحاول أن نستعرضه هنا بغرض الوصول إلى خلاصات محددة تتعلق بمستقبل هذه الدراسات.
(4) الكتب المنشورة عن الصين فى مصر :
منذ عام 1960 وحتى الآن، نشر ما يقرب من أربعين كتابا فى مصر عن الصين، منها ما هو مؤلف وما هو مترجم، تتراوح موضوعاتها بين القضايا التاريخية والاجتماعية وتلك المتعلقة بالثقافة والأدب. ولا يتضمن هذا العدد الكتب التى تتناول نواحى تقنية صرفة مثل فنون الخزف، والطب الصينى، والرياضات الصينية، وما إلى ذلك.
وقد نشر أثناء عقد الستينيات من القرن الماضى وحده أربعة عشر كتابا عن الصين، مقارنة بتسعة كتب أثناء عقد السبعينيات، وأربعة كتب أثناء الثمانينيات، وسبعة كتب أثناء التسعينيات. وفى هذا العقد الأول من القرن الحادى والعشرين، تم نشر تسعة كتب عن الصين حتى الآن. وبذلك تعتبر الستينيات العقد الذهبى للاهتمام المصرى بدراسة الصين. وقد عكس الانخفاض الحاد فى عدد الكتب المنشورة عن الصين فى الثمانينيات التغيرات الداخلية، التى حدثت فى الصين، وانعزال الصين النسبى عن السياسة الدولية فى ذلك الوقت للتركيز على الشئون الداخلية. وبينما ارتفع الاهتمام نسبيا فى العقدين التاليين، إلا أنه لم يبلغ مستوى الاهتمام الذى كان عليه فى الستينيات.
كانت أغلب هذه الكتب من تأليف كتاب مصريين، حيث شكلت نسبة الكتب المترجمة عن اللغة الصينية أو اللغات الغربية نحو 27% فقط، مما يعنى أن غالبية الكتب كانت كتب ألفها باحثون مصريون. وقد تناول 32% من الكتب المنشورة عن الصين قضايا ثقافية تتعلق بالأدب والفكر الاجتماعى الصينى، بينما ركزت النسبة الباقية على القضايا المتعلقة بدراسات العلوم الاجتماعية. وتناولت نسبة 29% من هذه المجموعة الأخيرة قضايا داخلية تتعلق بالصين، مثل دور الحزب والثورة الثقافية والإصلاح الاقتصادى، بينما ركزت النسبة الباقية (71%) على العلاقات الخارجية للصين. وقد اهتم الكتاب المصريون بصفة خاصة بفهم دور الصين على المستوى العالمى، لما لهذا الدور من تداعيات مباشرة على الوضع فى منطقة الشرق الأوسط.
ومن المفيد أن نستعرض هنا بعض هذه الكتب الصادرة حديثا عن الصين للتعرف على تيارات الاهتمام المصرية الرئيسية فى هذا الصدد. فقد صدر فى عام 2006 عن دار الهلال كتاب للمفكر المصرى الدكتور أنور عبدالملك بعنوان الصين فى عيون المصريين، متضمنا سلسلة مقالات للمؤلف نشرت على امتداد عدة سنوات، يعبر فيها عن اعتقاده القوى بأن صعود الصين يصب فى مصلحة الدول النامية. وفى العام نفسه، صدر عن المجلس المصرى للشئون الخارجية كتاب بعنوان الصين فى القرن الحادى والعشرين، من تحرير د. السيد أمين شلبي. وتضمن الكتاب خلاصة مؤتمر عقده المجلس المصرى وشارك فيه خبراء من الصين، حيث ناقش علاقات الصين الخارجية وتداعيات الصعود الصينى على البلاد العربية. كما أصدر مركز الدراسات الآسيوية بجامعة القاهرة كتاب الصعود الصينى فى عام 2006، من تحرير د. هدى ميتكيس وخديجة عرفة عن مؤتمر عقده المركز عن الصعود الصيني. تضمن الكتاب احدى عشر فصلا تتناول الدعامات الأساسية للصعود الصينى واستراتيجياته وإنجازاته والعقبات التى تواجهه. وقد تناول الكتاب علاقة الصين بمنظمة التجارة العالمية، والسياسة الخارجية للصين والنظام العالمى الجديد، والعلاقات الصينية - الأمريكية، والصين والاتحاد الأوروبى، والتعاون الصينى - العربي.
(5) الصين فى الدوريات العلمية المصرية :
أظهرت الدوريات العلمية المعنية بدراسة العلوم الاجتماعية فى مصر اهتماما بدراسة الصين، خاصة دورية 'السياسة الدولية' التى تواصل صدورها منذ يوليو 1965 وحتى الآن. وتجمع 'السياسة الدولية' -التى أسسها د. بطرس بطرس غالى، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، وتولى رئاسة تحريرها منذ عام 1965 وحتى عام 1991- بين الدراسات الأكاديمية البحتة والدراسات السياسية ذات الطابع العملي. وقد اتضح اهتمام هذه الدورية بالصين منذ العدد الأول، الذى تضمن دراسة بقلم د. بطرس بطرس غالى تحت عنوان 'القنبلة النووية الصينية'. كما تضمن العددان الثانى والثالث دراستين عن الحزب الشيوعى الصينى بقلم الدكتور محمد الخطيب، الذى أصبح فيما بعد عميدا لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة. وما بين يوليو سنة 1965 وأبريل سنة 2007، نشرت المجلة 115 موضوعا عن الصين، ما بين دراسات وتقارير. وقد خصصت ملفات خاصة عن الصين فى أعداد يناير 1972، ويناير 1977، وأبريل 1998، ويوليو 1002. وتبدو درجة اهتمام المجلة زمنيا متسقة مع عدد الكتب الصادرة فى الفترات المختلفة عن الصين. فقد نشرت مجلة 'السياسة الدولية' فى الستينيات عشرة موضوعات عن الصين (وإن كان يجب لفت الانتباه إلى أن المجلة لم تصدر إلا فى عام 1965) بما يوازى 9.7% من اجمالى موضوعاتها، كما نشرت تسعة عشر موضوعا خلال السبعينيات (بنسبة 16.5%)، وتسعة عشر موضوعا خلال الثمانينيات بنسبة 16.5%. أما خلال التسعينيات، فتم نشر ثلاثة وثلاثين موضوعا بنسبة 28.7% من الموضوعات المنشورة عن الصين، مقابل أربعة وثلاثين موضوعا فى الفترة ما بين يناير 2000 وأبريل 2007 (بنسبة 29.7%). ومن المتوقع أن ترتفع نسبة الموضوعات المنشورة عن الصين فى المجلة بنهاية هذا العقد.
ويعكس ارتفاع نسبة المادة المنشورة عن الصين فى العقدين الماضى والحالى فى مجلة السياسة الدولية، الاهتمام المتزايد للباحثين المصريين بالصين، إذ إنه نشر خلال هذين العقدين 58.4% من الدراسات والتقارير الاجمالية التى نشرتها المجلة عن الصين منذ بدايتها. والحق أن السنوات السبع الأولى من القرن الحادى والعشرين شهدت صعودا واضحا فى الاهتمام المصرى بالصين، بفعل ماحققته الصين من صعود اقتصادى، ولبحث المصريين عن البدائل الدولية فى عصر الأحادية القطبية. كما يشير تحليل مضمون الموضوعات المنشورة فى 'السياسة الدولية'، إلى أن 71.3% من الدراسات والتقارير تناولت موضوعات تتعلق السياسة الخارجية الصينية، وهو الاتجاه نفسه الذى سبق أن أشرنا اليه عند حديثنا عن الكتب المنشورة عن الصين فى مصر خلال الفترة ذاتها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق