الجمعة، 26 يناير 2007

الشرق أحمر.. الصين:نظرة عامة(3)

بقلم الكاتب العربي الكبير
محمد حسنين هيكل

صحيفة الإهرام القاهرية 18/2/1973
(من القرص المدمج: بصراحة، إصدار "البيت العربي للتوثيق العصري والنظم")
(الجزء االثالث من ثلاثة أجزاء)
1 - أن روح التنظيم موجودة فى عقيدة الصين التاريخية الأولى وهى تعاليم "كونفوشيوس ". ولم يكن كتاب كونفوشيوس الشهير وهو: "حوليات الربيع والخريف" - وقد أصبح فيما بعد كتاباً مقدساً - إلا مجموعة من قواعد الأخلاق والسلوك، أرست بين ما أرست فى المجتمع الصينى، أسساً راسخة لاحترام المسئوليات على كل المستويات، حتى أن عدداً من الدارسين لشئون الصين، وبينهم" "إدجار سنو" فى كتابه: "الناحية الأخرى من النهر "، يعتقدون أن "الكونفوشية" أعطت للصين أقوى الأجهزة الإدارية فى التاريخ، وأكثرها استمراراً واستقراراً، ولقد ساعدها على ذلك أن المجتمع الصينى بالطبيعة مجتمع نهر وإذن فهو يحتاج دائماً إلى حكومة مركزية قوية.
2 - أن الحضارة الصينية لم تنقطع طوال التاريخ، ولم تنكسر ولم تداخلها الشوائب.
وفى حين أن الحضارة المصرية مثلاً انكسرت وانقرضت بعد عهد الأسرات، كما أن الحضارة الأفريقية نامت على طول المسافة بين انهيار الإمبراطورية الرومانية وعصر النهضة الأوروبية الحديث، فإن الحضارة الصينية دون غيرها من الحضارات الأولى، واصلت استمرارها وازدهارها، برغم عصور من الانتكاس عاشتها.
ومن شأن استمرار الحضارة فى أمة من الأمم، أن وحدتها تبقى سليمة.
وربما كان من ذلك أن اللغة الصينية ظلت مع اتصال الحضارة الصينية، وعاء يتسع دوماً لضمير ووعى ومشاعر الأمة الصينية.
3 - أن الصينى كان، ولا يزال دائماً، يعتقد أن "الصين" هى قلب الكون، وربما كنا نحن هنا فى الشرق الأوسط - الذى نعتبره وسط العالم - نظن أن الصين فى طرف قصى من الدنيا، ولكن النظرة إلى خريطة العالم مرهونة دائماً بالمكان الذى ننظر منه.
ولقد نلاحظ أن اسم الصين فى اللغة الصينية هو "شونج كو" والترجمة الحرفية لهذا الاسم هى "الملكوت المركزى"، أو "الملكوت الأوسط".
ومن هنا، فإن الصين هى شعب الصين، بل أن الاقليات الصينية خارج الصين، وحتى فى الولايات المتحدة، لا تعتبر نفسها مهاجرة خارج الصين، وإنما تعتبر نفسها فى مهمة خارج الصين.
4 - أن الصين لم تتعرض للغزو الخارجى فى أى فترة من فترات تاريخها، كما أنها لم تذهب غازية إلى أى مكان، وكانت حروبها كلها حروباً دفاعية وحتى فى عصر التدخل الأوروبى فى الشرق الأقصى، وبعد حرب الأفيون الشهيرة، فإن الصين لم تصبح مستعمرة بالمعنى التقليدى وإنما تمركزت قوى التدخل الأجنبى على شواطئها، وعلى أطرافها البعيدة وبقى "الملكوت الأوسط" سليماً لا يمس.
5 - أن الكونفوشية لم تأت إلى الصين بأية أساطير غيبية يمكنها أن تمزق المجتمع الصينى إلى طوائف وشيع، أو تفرقه فى خزعبلات مظلمة ومسكونة.
وكان كونفوشيوس، ومن قبل ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة يقول:
- "لكم أن تحـترموا الأرواح... ولكن عليكم أن تحرصوا على إبقاء مسافة بينها وبين عقولكم!".
ثم كنت أقول:
- "أن هذه الأسباب الخمسة كانت موجودة فى الصين، تمهد للنظام وإمكانية التنظيم إذا جاءت القيادة الواعية ".
كانت هذه كلها أرضية تاريخية تمكن لماوتسى تونج من الدعوة إلى تعاليمه.
ولقد كان الجو كله مهيأً بعد عصر المجاعات وانحلال الأباطرة فى الصين، ونزعات التسلط لدى القادة العسكريين فى نهاية فترة حكم أسرة "مانشو"، وكان الجو كله مهيأً بعد إذلال حرب الأفيون، وبعد ضياع ثورة "سن يات سن" على يد الطبقة الجديدة التى سيطرت على حزبه "الكومنتانج" وكان المسرح جاهزاً تماماً لدخول ماو بعد الحرب الاستعمارية التى شنتها اليابان على الصين، ابتداء من سنة 1934.
إن "ماو" جاء حقيقة يحمل أعلام الماركسية اللينينية، ولكن "ماو" استجاب للطبيعة الوطنية للصين أكثر مما استجاب لماركس وإنجلز، ولينين، وستالين الذى لا تزال صورته معلقة حتى الآن فى الصين، أو لعلى أقول كى لا أتجاوز أن "ماو" أضاف إلى الماركسية اللينينية وغير فيها، بما يلائم ظروف الصين.
ولعلى أترك هذه النقطة لغيرى ممن يتحمسون للمناقشات العقائدية.
ولكننى أكتفى بالقول بأن "مـاو" جاء إلى المسرح الصينى والمجتمع هناك مهيأ لثورة، ومهيأ لثائر، ثم أنه كان بكامل وحدته الحضارية والتاريخية، على استعداد لأن يستجيب للنظام والتنظيم.
ولقد سئلت:
- "هل أحسست هناك بأثر للقسر والإرغام فى فرض النظام والتنظيم؟"..
وقلت:
- "لا أسـتطيع أن أتصور إنسانياً أن يحدث تغيير مثل الذى حدث فى الصين بدون قسر وإرغام ".
ولكننى أريد أن أضيف بأمانة:
- "إذا كنت أقول بذلك، فلابد أن أعترف بظاهرة لا يمكن المرور عليها بسهولة ".
هذه الظاهرة هى أن الخط الفكرى الصينى واضح من القمة عند "ماوتسى تونج" و"شوين لاى" إلى أى عامل فى مزرعة جماعية، وإلى أى طبيب من "الأطباء الحفاة" كما يسمونهم، وهم ليسوا حفاة الأقدام كما قد يوحى بذلك وصفهم، ولكن الوصف كان من صياغة "ماو" الذى وجد أن الريف الصينى بكل هؤلاء الملايين الذين يعيشون فيه لا يحتاج إلى أطباء متخصصين تصرف عليهم الدولة عشرات السنين، وإنما هو يحتاج إلى من يفهم فى الأمراض العادية، وهكذا كان تعبير الأطباء الحفاة الذين يسيرون فى الريف يعالجون - بالأعشاب الطبية فى معظم الأحوال - نزلات البرد والأمعاء ونوبات الزكـام والصداع، بعد تدريب عـلمى لثلاثة أو ستة شهور أو سنة واحدة فى بعض الأحيان "..
ولقد سئلت، وبين الذين سألونى الرئيس معمر القذافى:
-" كيف تفسر وحدة الخط الفكرى واتصاله بين القيادة والقاعدة ؟ ".
وقلت:
- لذلك فى ظنى خمسة أسباب:
الأول: أن التجربة أمام الإنسان الصينى ناجحة، أعطته الكثير، وحققت له الكثير.
الثانى: أن القيادة فى الصين قدوة أيضاً، وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأن الناس يتقبلون حينما يشعرون أن الذين يدعونهم إلى شىء يطبقونه أولاً على أنفسهم.
ولقد نتذكر أن "ماوتسى تونـج" وهو إله فى الصين الآن يعيش فى المدينة المحرمة، فى بيت صغير، كان مخصصاً لخدم أسرة "مانشو"، والبيت من ثلاث غرف: غرفة نوم، وغرفة استقبال، وغرفة مكتبة، والأثاث بسيط، وليست هناك بجانب "ماو" إلا سكرتيرة واحدة ترتب غرفته وترتب أوراقه، وهذا هو كل شىء.
الثالث: وهو نتيجة لما سبق أن هناك ثقة كاملة بين القاعدة والقمة، والثقة فى القيادة فى الصين لا تقتصر على الإيمان بإخلاصها ولكنها تمتد أيضاً إلى الثقة بقدرتها وحكمتها - هذا فضلاً عن أن جميع المسائل والقضايا تطرح للمناقشة داخل الحزب وعلى كل مستوياته بحيث تصبح بالفعل حين صدورها معبرة عن رأى الجماهير الواسعة.
الرابع: هو أن العقائد لا تعطى للجماهير كأنها كتل حجر وإنما تترجم العقائد إلى تصرفات عادية وإنسانية بسيطة للغاية، قادرة على النفاذ داخل أى تصور.
وفى الفترة التى كانت الولايات المتحدة فيها تحاول احتواء الصين وفرض الحصار عليها، فإن ماوتسى تونج لم يحطم رؤوس الناس بعبارات لها دوى دون أن يكون لها صدى، وإنما اكتفى بإصدار توجيهاته الثلاثة المشهورة:
* احفروا الخنادق فى كل مكان (أى استعدوا للغزو).
* اختزنوا الحبوب فى كل مكان (أى استعدوا للحصار الاقتصادى).
* لا تسعوا للسيطرة فى أى مكان (أى أن سياسة الصين دفاعية وليست عدوانية).
الخامس: هو أن خطوط الاتصالات ولغة الاتصالات بين القمة والقاعدة فى الصين مازالت حية وقوية من أثر التجربة الثورية الطويلة التى كانت تجعل "الثلاثة فى واحد" كما يقولون فى الصين أى الحزب وجيش التحرير والحكومة - وذلك خلال سنوات النضال الشاق الطويل (ولقد أعود إلى هذه النقطة فيما بعد بتفصيل أكثر).
ولقد سئلت:
- "أليست غريبة هذه الألوهية لماوتسى تونج فى الصين ؟".
وقلت:
- "لقد كنت دائماً أستغرب هذه الألوهية "لماوتسى تونج"، وكنت أجدها دائماً غير معقولة، بل كنت أجدها فى بعض الأحيان على نقيض مع الفكر الماركسى ذاته، الذى تجرى التجربة فى الصين تحت راياته".
ولكن المذهل أن ما يبدو مستغرباً أو غريباً من خارج الصين، يبدو داخلها عادياً وطبيعياً.
ولقد شعرت بأن الناس فى الصين يعطون "لماو" مكانة الإله بغير رهبة أو خوف، وإنما بمزيج مثير من الحب والتقديس.
لقد وجدت الصين كلها تتحرك على إيقاع صادر من ذلك البيت الصغير وراء أسوار المدينة المحرمة، حيث يعيش "ماو" ويفكر ويصدر تعاليمه.
الصين كلها تتحرك - بثمانمائة مليون فيها - على الإيقاع الهادئ أحياناً، والهادر أحياناً أخرى - كما فى وقت الثورة الثقافية - الذى يعزفه ماوتسى تونج.
ويبدو أنه خبير بالموسيقى، عارف بفنونها، قادر على تطبيقها فى السياسة.
..... كان هو القـائل يوماً ربما فى أحد توجيهاته المنيرة إلى أكثر شعوب العالم كثافة فى السكان:
- "تعلمـوا العزف على البيانو... ينبغى للإنسان لكى يعزف على البيانو أن يحرك أصابعه العشر، لا أن يحرك بعض أصابعه ويترك بعضها الآخر جامداً لا يتحرك....
ولكنه إذا ضغط بأصابعه العشر دفعة واحدة فلن يستطيع أيضاً أن يعزف لحناً....
فلأجل عزف موسيقى جيدة، ينبغى أن تكون حركات الأصابع إيقاعية متناسقة !!".

ليست هناك تعليقات: